إن نهضة كل أمة تستلزم جملة من الشروط الشكلية والموضوعية والإجرائية؛ ولعل أهم شرط يجب توفره لتحقق النهضة هو الوحدة.

إن المُشكل الذي قد يُصاحب مفهوم الوحدة هو تنوع المذاهب والفهوم، الشيء الذي يطرح عدة صور وأشكال مُختلفة – قد تكون في كثير من الأحيان متضادة – لمفهوم الوحدة.

هذا الاختلاف الذي لا يعدو أن يكون تنوعًا مرده إلى تباين زوايا النظر، وأحيانًا الغوص في دقائق الأمور والخوض في التفاصيل.

فمجال الوحدة يضيق حتى بين أبناء المذهب والفكر الواحد؛ إذا ما تعمقوا في الجزئيات، لكن بناء الوحدة يتسع كلما ابتعدوا عن التدقيق والمجهرية، ليشمل حتى مذاهب أخرى كانت في نظرهم مُعارضة ومُخالفة.

يجب على السَاعي في درب النهوض بالأمة أن يجمع شتات الأمة قبل النهوض بها، ذلك أنه لا نهضة إلا بتحقيق الوحدة.

إن علم الرياضيات وإن كان علمًا مُجردًا وبعيدًا عن الواقع، إلا أن في مفاهيمه ما يَخدمُ النهضة بالأمة وما يحيي فيها أواصل الإخاء.

إن تقاطع المجموعات في علم الرياضيات يُفرز مجموعة أخرى متميزة عن غيرها يكمن تميزها أساسًا في احتوائها العناصر المُشتركة في كل المجموعات الأخرى، وفضل هذه الميزة يظهر في:

1_ تحقيق مجموعة التقاطع لعلاقة متينة وصحية مع غيرها من المجموعات الأخرى المُختلفة فيما بينها لحد التناطح.

2_ مجموعة التقاطع تُصبح همزة وصل بين المجموعات الأخرى، وبالتالي فهي محل إجماع وموضع اتفاق المجموعات الأخرى، بل حتى مرجعًا لهم.

3_ التركيبة البنيوية لمجموعة التقاطع، تجعل منها بناءً متينًا، ذلك أن مجموعة التقاطع تحتوي العناصر التي تدخل في تشكيل المجموعات الأخرى، وبالتالي فتهديمها هو هدم كل المجموعات.

وبالتالي فالواجب على دعاة النهضة تحقيق الوحدة، بتقوية العناصر المُشتركة التي يُجمِعُ أفراد الأمة الواحدة على اعتناقها، بل الدفاع عنها أيضًا بقناعة راسخة.

إن ما يحدث اليوم في الجزائر هو أمر مُتوقع، حيث يعمدُ الحاقدون والمتربصون بها إلى إثارة نعرات جهوية، ودعم أبواق طائفية؛ تحمل مُخطط تفكيك الأمة، وزرع الفتنة وإثارة الحزازات وإذكاء فتيل الاختلافات.

إن الشعب الجزائري شعب ذو تجربة كبيرة، وذو خبرة عظيمة، فهو يعلم تمام العلم بأن السبيل الأنجع للخروج من الأزمة الحالية هو تحقيق الوحدة الوطنية، ولا يتأتى ذلك إلا بوضع كل الاختلافات والخلافات جانبًا والجلوس على طاولة الحوار البناء التي تمنح لكل جزء من مكونات الأمة بدون إقصاء، فرصة الإسهام في البناء الوطني.

إن تحقيق الاتفاق المُطلق هو ضربٌ من الخيال، حيث إن ذلك لم يتحقق منذ الأزل ولن يتحقق، غير أن التوافق والإجماع هو ما يُمكن تحصيله.

يجب على أفراد الشعب الجزائري اليوم وفي المستقبل، رسم معالم وحدته الوطنية من خلال وضع مفاهيم مُشتركة للنقاط التي قد تثير حساسيات كالهوية، اللغة، والانتماء.

برغم أنها لا تُمثلُ حقيقة مُشكلًا فعليًا في الجزائر، إلا أنه من الأحوط طرحها والوصول إلى إجماع فيها.

إن تاريخ الجزائر حافل وزاخر بعديد التجارب، التي يُمكننا اليوم نحن كجيل الاستقلال، وكعُمار الجزائر في القرن الحادي والعشرين، أن نتشرب من معين مائها الصافي، وأن نستلهم منها الآليات الناجعة التي استطاع من خلالها آباؤنا تحقيق الوحدة الوطنية.

إن تلك التجارب وإن اختلفت ظروفها عن الحاضر، إلا أنها تبقى مرجعًا مهمًا للباحثين، وبوصلة طريق رواد النهضة ودعاة الفتنة.

لقد استطاع آباؤنا، في ظل تلك الظروف القاهرة إبان الحقبة الاستدمارية، تحقيق الوحدة الوطنية من خلال ما يلي:

1_ العمل على تحقيق وحدة وطنية من خلال استحداث هيئات تظم خيرة أبناء الوطن بلا إقصاء ولا تمييز.

2_ العمل على توحيد الرؤى والجهود، وتوجيهها نحو مطالب مشتركة؛ كمحاربة المُحتل مثلًا.

3_العمل على نشر الوعي الحضاري، وتثقيف المجتمع، وترسيخ روح المسؤولية في أفراده.

إن هذه المعاني وغيرها وجب علينا اليوم أن نستغلها خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها الجزائر.

فهذا يمنح الجزائريين لُقاحًا طويل الأمد، يقيهم طاعون الفتنة، وفيروس الفرقة، وسرطان التخوين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد