الصواريخ المتتبعة للحرارة أو Infrared هي صواريخ تعتمد على تتبع الأشعة التحت الحمراء الناتجة عن حرارة المركبة، أو الدبابة. وهناك رواية شهيرة أنه في ثغرة الدفرسوار حيث كانت هذه الصواريخ جديدة وغريبة على الجيش المصري، وأثناء حصار الجيش الثالث لاحظ أحد المجندين، وكان خريج كلية العلوم، أن الصواريخ الإسرائيلية التي تطلق لا تصيب إلا المركبات الدائرة فقط، فاقترح على قائد الكتيبة أن يشعلوا نارًا بعيدة عن المركبات، وبالفعل استطاعت هذه النار أن تجتذب الصواريخ إليها فتنفجر بعيدًا عن مركباتهم. وبغض النظر عن صدق الرواية من عدمه، لكن من المعلوم أن هذه الطريقة والتي تسمى المشاعل هي إحدى طرق التصدي لهذا النوع من الصواريخ، وهي إستراتيجية مترسخة في العقلية العسكرية عامة.

وبحكم خبرة النظام العسكري المصري في قياس الرأي العام، بل وتكوينه وخلقه منذ أن كان الرأي العام المصري يعتمد على الإذاعة الرسمية والتلفزيون الرسمي والفنانين والفنانات المتحكم بهم تمامًا من خلال النظام، والذي استطاع من خلالهم أن يجعل من الهزيمة نكسة، ومن القمع واجبًا وطنيًّا، وأن يخرج شعبًا في الشوارع متمسكًا بمن تسبب في انهيار الجيش وضياع الأرض وانتهاك الكرامة وهلاك الأبناء على الجبهة، وبحكم خبرة النظام في استخدام الشائعات، بل والنكات أحيانًا لتوجيه العقل الجمعي المصري، كان لا بد لهم من أن يستخدموا تقنية المشاعل في توجيه غضب الشعب أو ثورته أو حنقه بعيدًا عن آلياتهم ودبابتهم ومصالحهم.

فعندما اشترط صندوق النقد الدولي على النظام المصري لمنحه القرض الذي يسعون إليه شروطًا صعبة تمس المواطن البسيط، كان من المعلوم للنظام أن تنفيذ هذه الشروط سيحدث هياجًا شعبيًّا واضطرابات قد لا يتحملها نظامهم الهش من البداية، فكان لا بد من استباق الحدث والعمل على إشعال أحد المشاعل ليمتص الصواريخ الغاضبة، ويتجنب أي خسائر ناتجة عنها، بل إنه قرر أن يجعل هذه الصواريخ تنفجر في معسكر أعدائه، فبدلًا من أن يتحاشى الخسائر يجني الأرباح.

موعد تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي كان محددًا منذ فترة تزيد قليلًا عن إطلاق ثورة الغلابة 11/11 التي تم اصطناع زخمها بطريقة احترافية تنم عن تكتيك عسكري ضليع في تغييب الشعوب، فالثورة منذ إطلاقها تم ربطها رسميًّا بمثيري الشغب والأشرار والخونة وعملاء قطر وتركيا من الإخوان في القلب منهم، رغم أن أغلب من دعا لها لا ينتمي إلى أي تيار محدد، بل إن أغلبهم من المغمورين. وتجد ذلك جليًا من السؤال المتواتر «مين اللي دعا لثورة الغلابة؟» هذا السؤال الذي ملأ وسائل التواصل الاجتماعي لكن بدون إجابة شافية.

تم الدفع ببعض الأحداث، فسائق التوكتوك لم يكن أول ولا آخر من ينتقد الوضع المرير في البلد، بل أكاد أجزم أن مكتبة برامج التوك شو تضيق بمثل هذه التسجيلات التي ينتهز أصحابها وجود كاميرا التلفزيون ليعبروا عن أوضاعهم المأساوية، ولكن لماذا تم تمرير هذا الفيديو؟ وكيف وصل لهذا الكم من المشاهدات في ساعات قلائل، بل إن الوسائل الدفاعية التي اتخذها النظام ولجانه الإلكترونية وإعلامه كانت دفاعات مقصود أن يتم دحضها، فهذا بيان على صفحة وزارة الداخلية يكشف عن هوية سائق التوكتوك الإخوانية، هذه الهوية التي لا يحتاج إثبات كذبها أكثر من نشر صورة لبطاقة أو رخصة قيادة سائق التوكتوك، ثم يعاود الظهور مرة اخرى على أحد البرامج بصورة توضح مدى الضغوط التي مورست ضده ليزيد الزخم زخمًا، بل إن الشعب عندما بدأ ينسى ظهر أحمد موسى بفيديو تمثيلي لسائق توكتوك آخر يتحدث بطريقة تثير استفزاز الناس أكثر، وتذكرهم مرة أخرى بسائق التوكتوك الأول.

ومع اقتراب موعد ثورة الغلابة بدأت الخطوات التنفيذية لتنفيذ الشروط الأقل إيلامًا لصندوق النقد الدولي، فالنظام يدفع المجتمع المصري دفعًا للمشاركة في ثورة الغلابة، وفي نفس الوقت جهز الغطاء السياسي لسحقها، فتسييس الغلابة وتصنيفهم كمعارضة سياسية نخبوية هو بوابة المرور لإجراءات قمعية تقضي على احتجاجاتهم المتوقعة عند تنفيذ البنود الأصعب، وتجعل الفقير يتجه للجانب الأضعف في التنفيس عن غضبه، فبدلًا من أن يثور على النظام قد يختار أن يسلك سلوكًا إجراميًّا غير قانوني، ولكنه في اتجاه فقير آخر مثله أو أضعف منه.

النظرة السوداوية لما يحاك في الظلام يتخللها بصيص نور خافت في أن ينقلب السحر على الساحر، ويفشل النظام في السيطرة مثلما فشل في 25 يناير، فتكون حرارة دباباتهم أكثر جذبًا من المشاعل التي أطلقوها، ولكن هذا الأمل يحتاج إلى من يجيد تحويل دفة الغضب وتوجيهه إلى مستحقيه من النخب السياسية الحقيقية المتبقية في الشارع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد