بابلو إيميلو إسكوبار جافيريا، عراب الكوكايين، لعلك لم تسمع عن بابلو إسكوبار من قبل، هو أكبر تاجر مخدرات في العالم، صاحب أكبر مافيا تهريب الكوكايين في ذلك الوقت، مجرم قتل جماعي من الطراز الأول.

ولد بابلو لأسرة فقيرة في ميدلين بكولومبيا، كان والده أبيل دي هيسوس يعمل بالزراعة، وأمه هيرمينيا المدرسة الابتدائية، يعشق الريف، ويرى نفسه مجرد فقير امتلك المال، لم يكمل تعليمه واكتفى بالثانوية رغم كونه شديد الذكاء، أحب كرة القدم منذ طفولته وساهم في جلب العديد من المواهب من أمريكا اللاتينية ورفع مستوى الكرة الكولومبية في منتصف الثمانينات، بدأ في سن المراهقة بسرقة السيارات وتهريبها إلى أن أصبح مجرمًا دمويًا مأجورًا في زمن قصير، دفعه ذكائه وقدرته على الابتكار في طرق التهريب وحبه للمال إلى الاتجاه لتهريب المخدرات مع ابن عمه غوستافو جافيريا، كان يملك قاعدة «فضة أو رصاص» في التهريب، فإن رفضت المال حتمًا ستقابل بالرصاص، استمر صعود بابلو في تجارة المخدرات، أنشأ منظمة مع عصابات كولومبيا لتعظيم تجارة المخدرات مستغلاً تعطش الأميركيين للكوكايين واستمر توجهه في الشهرة وجني الأموال إلى أن أصبح ملك الكوكا في العالم مع نهاية العقد الثالث من عمره، فقد صنف كسابع أغنى رجل في العالم في ذلك الوقت حسب مجلة الفوربس، وقدرت ثروته ب 30 مليار دولار.

رغم كل ذلك إلا أنه كان صاحب طموح مجنون، فرغم أنه ملك كل شيء من حب ومال وشهرة إلا أنه أراد كل شيء لِمَ لا يصبح دون بابلو رئيسًا للجمهورية، عندئذ تحول طموحه إلى طمع قاتل، فبعد أن انتخب عضوًا في البرلمان عن منطقه ميدلين أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وتساءل رجال السياسة عن حقيقه أعماله، وافتضح أمره في الإعلام، وجلبت السياسة له العديد من المشاكل، وقام بجرائم قتل لا تغتفر تسببت بملاحقته من قبل الحكومة والولايات المتحدة داخل كولومبيا إلى أن أجبرها على التفاوض معه، وقام بإملاء شروطه بعدم تسليمه إلى السجون الأمريكية وبناء سجن خاص به خارج ميدلين عرف بلقب لاكاتيدرال من كثرة جماله، واستمر بإدارة أعماله من داخل السجن إلى أن أخلفت الحكومة وعودها، وأجبر علي الهروب إلى منازله في ميدلين، وبدأ بعض شركائه بالانفصال عنه ومحاربته من أجل القضاء عليه ليتسع لهم المجال في تهريب الكوكايين، وبذلك بدأ بابلو إسكوبار في الهبوط وفقدان مناصريه مع استمرار الصراع إلى أن ألقي مقتولاً فوق أسطح بعض البيوت في ميدلين فرارًا من الشرطة، وهناك ما يقول بأنه قتل نفسه قبل أن تصل إليه الشرطة لتنتهي أسطورة بابلو إسكوبار.

يعتبر بابلو إسكوبار «روبين هود- دون بابلو» -كما يسمونه في ميدلين- أكبر مناصر للفقراء في كولومبيا، فقد منحهم الكثير من الحياة؛ حيث قام ببناء الكثير من المساكن و المدارس والمستشفيات والكنائس، فلا عجب أن يرونه أفضل من الحكومات التي لم يجنوا منها سوى الفقر والمرض حتى وإن كان من أجل التستر على تجارته، فما يزال سكان ميدلين يذرفون الدموع على قبره حتى الآن. كما اشتهر بحبه الشديد لموطنه كولومبيا ورفض اللجوء إلى البرازيل والأرجنتين ودول أوروبا أثناء حربه مع الحكومة إضافة إلى حبه الشديد لأهله وأسرته، يذكر أن إسكوبار حرق مليوني دولار لكي يُدفئ ابنته من البرد عنده هروبه إلى منزل في الريف أثناء مطاردته من السلطات.

لا أحد يستطيع أن يخفي سرًّا بأن بابلو مجرم وقاتل بشري، فقد قام بالعديد من الاغتيالات التفجيرات في كولومبيا، وقدر عدد ضحاياه ما يقارب 4000 شخص منهم قضاة وسياسيون وصحفيون، ولكن كيف لنا ألا نحب إسكوبار؟! قد تكون طبيعة البشر الازدواجية العامل الفعال في حبنا لمثل تلك الشخصيات في العالم، سواء كانت واقعية أم من وحي الخيال في السينما؛ فتلك الشخصيات تمثل بعض الصفات بداخلنا، والتي قد نتصف بها أو نقوم بالسيطرة عليها بسبب الأخلاقيات والقوانين والعواقب، ولكن إذا تخلينا عن كل هذه الإلزاميات والخوف من تشويه الصورة المثالية – التي لا توجد على الإطلاق- التي نرسمها لأنفسنا فما أكثر تلك الصفات في محاربة واقعنا الأليم الذي نعيشه في بلادنا، فالنقص لدينا وشعورنا بالخوف وحب الذات مثلي تمامًا شيء طبيعي، والمشاعر شيء نملكه جميعًا، لكن عندما تكون المشاعر أقوى من أن تكبح بداخلنا، ونفعل ما نريد بدون اضطراب، فهذا شيء يستحق المشاهدة.

هناك الكثير ممن يعتبرون بابلو إسكوبار وأمثاله مجرمين في حق الإنسانية، ولا أختلف معك في ذلك، لكن هل فكرت يومًا كيف تبنى الإمبراطوريات؟ هل تعرف أن الأمريكان ارتكبوا الكثير من الجرائم في حق الهنود الحمر والمهاجرين السود مرورًا بالهجوم النووي على هيروشيما وناجازاكي نهاية بجرائمها في العراق وقتل الملايين من البشر؟ هل تعرف أن الإنجليز ارتكبوا العديد الجرائم في حق الإنسانية في اسكتلندا وآسيا وأفريقيا؟ وهكذا اليابانيون أيام الحكم الإمبراطوري لا فرق بينهم وبين المغول والاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية و كوريا الشمالية.

ربما تراني مناصرًا لبابلو إسكوبار كارهًا لتلك الإمبراطوريات -ولست كذلك- وربما ترى أن تلك الجرائم جرائم حرب لكن لا تنسى أن الحروب لا تبرر الجرائم ضد الإنسانية والمبادئ لا تتجزأ، وأيضًا ربما يكون بابلو إسكوبار شيطانًا، لكني لا أستطيع أن أخفي إعجابي به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد