– لا بأس، سيكون كل شيء على ما يرام.

– لا بأس، السير على طريق الوصول وصول.

– لا بأس، سيطلع من عتمتك قمرٌ.

كلها عبارات مواساة طيبة، في ظاهرها، لكنها بطريقةٍ ما تساهم في قتلك.

تجعلك تنتظر، على أمل أن يباغتك الواقع بما تنشد بلا ألم، وقليلًا ما يحدث هذا، فيطول عليك الأمد، ويقل عملك تدريجيًّا، وتتثاقل إلى الأرض، مُتعب، وفي داخلك صوت يردّد: بعد العتمة بتضوي شموس.

وللمفارقة العجيبة، تأتي مثل هذه الجمل في ذهنك عقب كل إخفاق، عقب تكالُب الصِعاب عليك وعلى قلبك، عقب فقدانك ما تبقى من قدرتك على تحمّل الألم ومواجهته، أو بالأحرى، عقب كل مواجهة حقيقة، وتمحيص لقلبك وعملك، فتجد نفسك بين ليلة وضحاها، وحيدًا شريدًا، بلا أمل، تنتظر معجزة تحركك، في عصر انتهاء المعجزات.

كل الشعارات التي نحملها في صدورنا، والعبارات الرنانة التي نتغنى بها حال سيرنا على الطريق، أصبحت بمثابة المسكنات لجراحنا التي لم يحن لها أن تلتئم بعد.

طريقة ما لكي ننسى الألم ونتعايش معه، لا لنعرفه، ونحاول علاجه، بل ونستمتع به في بعض الأحيان.

وللأسف، هناك أنواع من الجروح لا يجدي معها التغافل، ولا تجدي معها المسكنات قصيرة المفعول، وإنما لا بد للجُرح أن يُفتح، ويُطهر، ويُعالج بمنتهى الوضوح، دون هرب من حجم الألم، ولا بأس أن نردّد حال العِلاج «واشدُد على القوسِ الوَتر» وأعدك، لن يكون الأمر حينها تغنّ بشعاراتٍ زائفة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

يقول محمود درويش «نخاف أن تنام في قلوبنا جراحنا، نخاف أن تنام»، وأعتبر هذه الجملة من الفلسفة بمكان، فصحوة الألم في قلبك، ربما تكون سبيلًا من سبل النجاة، إذا ما فطنت له، فعلمك بوجوده ويقظته في صدرك، يرشدك بطريقة ما، إلى ما يجب عليك فعله.

«الألم يُطالب بالشعور به» هكذا قال أحد شخصيات الرواية الشهيرة (الخطأ في نجومنا)، فهو معنى موجود، لن تستطيع أن تصد عنه، ولكن يمكنك أن تتعلم كيف تواجهه بشكل صحيح، دون أن تهرب من وطأته.

طبيب العظام كثيرًا ما يضغط على موضع الألم بشدّة، ليتمكن من التشخيص، وبدوره يقدم العلاج.

تخيل لو أنه أخبر المريض بمنتهى الهدوء بأن كل شيء سيكون على ما يرام مخافة أن يؤلمه، وتركه وذهب، كيف سيكون رد فعل المريض حينها؟

بالتأكيد سيشعر أنه ذهب للطبيب الخاطئ، وربما يتشاجر معه، في عدم فهم لموقفه الغريب وغير المتوقع.

حسب فلسفة نيتشه: لا يمكن النضوج والوصول إلى الوجهة المرجوّة بدون جرعات من الألم والمعاناة.

بل وأكثر من ذلك، المصدر الأكبر لسعادتنا يقطُن قريبًا جدًا من مصدر أعظم آلامنا، وأنه لا أحد يستطيع الوصول لدرجة عالية من الإبداع والإنتاج بدون التجربة.

يقول نيتشه في كتابه: «العلم المرح» أن المتعة والألم مرتبطان بقوة معًا، ومن يريد أكبر كمية ممكنة من المتعة عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم.

واعتقد بأن كل إنسان بالخيار: إما يختار أقل قدر ممكن من المعاناة وبالتالي يتنازل عن قدر من النضوج وتحقيق الذات، أو يختار احتضان معاناته على أكبر قدر، وبالتالي يحصل ليس فقط على كمية أكبر من النضوح وتحقيق الذات، بل على ملذات خفيّة نادرًا ما يشعر بها من استنكر معاناته.

وعلى قدر صدقك، وطلبك للحق في تجربتك تكون تجلياتك، لو تعلم.

في النهاية: لا بد من التصريح بأن الأصعب من قرار السير على الطريق المواصلة فيه، والاستمرار في خوض المعركة والصبر عليها أشد من قرار خوضها من البداية، ولهذا كانت العبرة بالخواتيم، لا بالبدايات ببريقها وحماستها وبهجتها، وكل هذا لن يحدث دون المعاناة والألم، والكثير من الجراح، في قلبك، وباطن كفيّك.

لكن بيت القصيد في كيف سيكون تعاملك مع الجُرح، تسكنّه وتخمد لهيبه بحُمى الشعارات، والقعود عن العمل في انتظار المعجزة، أم تتفاعل معه وتحاول مداوته بالإيمان والعمل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد