كثيرة هي المواقف شديدة الوطأة في حياة سيدنا محمد ﷺ، من وفاة أمه وهو طفل في السادسة، إلى فقد جده وهو في الثامنة، والعيش يتيمًا في كنف عمه أبي طالب ذي الأولاد الكثر، إلى فقد ولديه الذكرين أبي القاسم وعبد الله وهما طفلان، إلى أذى قريش واستهزائهم به وبرسالته وتحريض القبائل عليه بل ومحاولة قتله على مدى 13 سنة في مكة، ووفاة العم الحنون والزوجة الصادقة المساندة في سنة واحدة، والاستهزاء به وضربه على يدي الأطفال والعبيد في الطائف، والهجرة مضطرًا من موطنه – أحب بلاد الله إليه، إلى مكر يهود المدينة ونفاق منافقيها، إلى غزوة بدر الكبرى وما شهدته من موت الصحابة بل وفقد الابنة (رقية، زوجة عثمان) في يوم نصر بدر، إلخ.

يستحق كل حدث من هذه الأحداث تفصيلًا لا تهمله كتب السيرة المحمدية. وفي هذه المقالة، سأركز فقط على حدث من أحداث غزوة أحد لأنه حدث إنساني بامتياز وسط الأحداث الكبرى للغزوة، أنظر إليه بعين من يحيا في القرن الخامس عشر الهجري – الحادي والعشرين الميلادي وهو يرى كيف يُهان النبي الكريم ﷺ في رسوم مسيئة لسيرته العطرة وتتناقض مع أخلاقه النبيلة بشرًا ونبيًا.

وقعت غزوة أحد في العام الثالث للهجرة، وعمر رسولنا الكريم ﷺ 56 عامًا، عمر طويل شهد أحداثًا كبرى وأحزانًا موجعة كانت كفيلة بأن تجعل من هذا الرجل النبيل كهلًا لا يقوى على الحركة، ناهيك عن نهوضه للدعوة ومشاركته في كل كبيرة وصغيرة يقوم بها المسلمون ويقوم بها هو دون المسلمين من واجبات النبي الرسول الحاكم. علم رسول الله ﷺ بنية قريش للإغارة عليه في المدينة انتقامًا لبدر، وعلم بقدوم جيش قوامه 3 آلاف من المشركين، فجهز الجيش وخرج لأحد، لكن المنافقين خذلوه ورجعوا قبل أن تبدأ المعركة، ربما لأنهم أرادوا هزيمة المسلمين معنويًا.

بدأت معركة أحد والمسلمون يحرزون نصرًا كبيرًا أغرى الرماة بأن ينزلوا من فوق جبل أحد لجمع الغنائم فانتهز خالد بن الوليد الفرصة والتف حول المسلمين بجزء من جيش المشركين فأصبح المسلمون بين فكي قريش. اشتد القتال واستهدف بعضُ المشركين رسولَ الله ﷺ ليقتلوه عملًا بمبدأ قتل الفكرة والرسالة التي أقلت مضجعهم لا قتل شخص واحد. يحكي ابن هشام في سيرته أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ فكسر رباعيته (أسنانه الأمامية) اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري جرحه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان (قضبان من حديد) من المغفر (الخوذة) في وجنته الشريفة.
ولنتخيل بشاعة المنظر وعظم الألم: قضبان من حديد تدخل في خد رجل مسن، مكسور الأسنان، ومجروح في فمه ووجهه، يسيل الدم منه نهرًا.

أراد أبو بكر الصديق المسن أن ينتزع قضيبي الحديد من خد صاحبه ليخفف من ألمه فتوسل له عبيدة بن الجراح أن يتركه ليفعل ذلك وما وجد وسيلة أقل إيلامًا غير أسنانه. ولنتخيل مرة أخرى إنسانًا يحاول أن يقتلع قضيبًا من حديد بأسنانه حبًا في نبيه ﷺ. ولأن الحب كان صادقًا وشديدًا، فقد هان على أبي عبيدة أن تنكسر أسنانه وهو ينتزع بها القضيب الأول وأن تتهشم بقيتها في انتزاع القضيب الآخر. أما نبينا الحبيب ﷺ، فأكاد أشعر به وكأن روحه تُنتزع من شدة الألم وهو يكتم صراخه في قلبه وقضيبا الحديد يخرجان من خده الشريف، وأكاد أجزم أن خروجهما كان أشد ألمًا من دخولهما. وأكاد أتخيل أيضًا كيف كانت نفس الرسول ﷺ تحدثه في هذا الوقت: هل سألته «لماذا لم تتخل عن رسالتك وتكتفي بما عرضته عليك قريش من ملك؟ ألم يكن ذلك كفيلًا بألا يؤذوك أو يخرجوك من بلادك أو يطاردوك في أرض ليست بأرضهم؟ لماذا أتيت للحرب وأنت رجل مسن أنهكك الحزن على من فقدت من ولد، وزوجة، وعم، وجد، وأم، وأنهتك الغزوات والسرايا ونفاق المنافقين ومكر اليهود بالمدينة والدعوة بما تتطلب من مسئوليات؟ لماذا لم تتحصن في خيمة بعيدًا عن وطيس المعركة؟ لم يكن أصحابك ليعارضوك في ذلك لو أردت».

خرج القضيبان من خد الرسول ﷺ، وأكاد أشعر به منهكًا غير قادر على الكلام، ينظر للشهداء من المسلمين ويتعجب كيف تحول النصر لهزيمة سريعة، وأشعر به وهو في حزن شديد وكأنه يحدث نفسه ويسألها «ماذا فعلتُ لهؤلاء ليفعلوا بي كل هذا؟ إنني أدعوهم لعبادة الله، ومكارم الأخلاق. هل يقاتلونني لهذا؟» وربما أتى حديث النفس هذا والصحابة من حوله يقولون له: «ادع على المشركين» وهم يعلمون أن دعاءه مقبول، وأن الله سيهلك المشركين لو دعا عليهم. وفي هذه اللحظة الحاسمة الفاصلة، تتجلى النبوة والرسالة ومكارم الأخلاق واستشراق المستقبل واليقين في النصر ولو بعد حين. في هذه اللحظة، لم يستجب الرسول لقول أصحابه بل قال ﷺ «إني لم أبعث لعانًا ولكني بعثت داعيًا ورحمة»، قول أذهل الصحابة وربما جعل أفواهم تفغر من فرط الدهشة، فرسولهم ﷺ ما زال صابرًا محتسبًا بعد كل ما مر به وبعد أن كاد أن يُقتل حتى أن قوله هذا أتى والدم ما زال يسيل من خده. وفاجأهم الرسول ﷺ مرة أخرى بقوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، قول لا يعكس التسامح فقط، بل الإنسانية في أسمى معانيها، والصبر في أجل صوره، واليقين في أشد حالاته، ورؤية القائد التي لا يستطيع رؤيتها حتى أقرب المقربين منه، بل التماس العذر (فإنهم لا يعلمون).

لا أعلم فيما قرأت عن نبي لاقى موقفًا كهذا إلا ودعا على قومه بالهلاك والخسران، ولم أسمع عن بشر عامل من أساءوا إليه بهذا النبل والكرم مثلما فعل نبينا ﷺ، ولا أتخيل بشرًا عاقلًا يتهم هذا الإنسان النبيل بتهمة العنف أو الإرهاب (حاشا لله) إن لم تكن كل معرفته عن النبي ﷺ، إلا هذا الموقف الذي تجلت فيه بصدق صفات الرأفة والرحمة. فهلَّا ننشر هذا الموقف بين من لا يعرفون قدر نبينا الكريم ﷺ ويجهلونه؟ أتمنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد