مضى الزمان، وتغيرت الحُقب، ما غير ادعاء الساسة المستعمرين أن بعضًا منا قد خلقوا للسيادة أبدًا، وبعضًا آخرين خُلقوا للعبودية أبدًا. تزهق ادعاءاتهم أمام شعور فطري يولد في الروح، وهو التوق نحو الحرية والتحرر من القمع والاستبداد اللذين لطالما كبلانا.

ولأن الحرية المعطلة عن الاستعمال كما قيل هي في حكم المفقودة، كمن يسلك الطريق بعينيه المعصوبتين، ويأكل ويشرب ويبطش بيديه المكتوفتين. لكن العين المعصوبة واليد الموثوقة كليتهما في حكم المعدومة، وإذ إن المرء يكون حرًّا بمقدار ما لديه من وسائل استعمال هذه الحرية، ويكون حيًّا بمقدار ما جاز له من الاستمتاع بالحرية؛ فالحرية الناقصة حياة ناقصة، وفقدان الحرية هو الموت بعينه؛ لأن الحرية هي معنى الحياة.

فيما يلي فنانون حاربوا القمع بفرشاتهم.

جيرار فرومنجيه.. المتمرد

في إحدى ضواحي باريس الشرقية ولد الفنان الفرنسي جيرار فرومنجيه، الذي كان في طليعة المتمردين ضمن حركة مايو 1968، التي هزت فرنسا بتغييرها للعديد من القيم السائدة، أخلاقيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، في تلك المرحلة الحسّاسة من تاريخ فرنسا وردت تجربته، من خلال الحركة «التصويرية السردية» التي كان أحد روادها.

Atelier de Gérard Fromanger. Paris, vendredi 14 novembre 2008. Centre Pompidou, bibliothèque Kandinsky

ولأن أي حركة ثورية تحتاج لنشر شذرات أفكارها؛ ألقى فرومنجيه بشطر من روحه وإيمانه المدفوع بحسه الوطني بإسهامه في تأسيس الورشة الشعبية للفنون الجميلة، التي سوف تصدر عنها عدة لافتات سياسية، تضامنًا مع الصراع العادل للرفاق العمال الذين بدؤوا يحتلون مصانعهم.

في تلك الفترة كان المخرج السينمائي الشهير جان لوك غودار غارقًا في إنتاج ما سمي وقتها بـ«أفلام مناشير»، وقد ساهم فرومنجيه بحماس متقد معه،حيث جمعها إيمان أنها الطريقة المثلى للتعبير عن وقوف مثقفي اليسار مع العمال في نضالهم ضد رؤوس الأموال، والطبقة السياسية المتواطئة.

مازجًا بين الرسم والسياسة بأعماله التي تعصف تمردًا عمد إلى عرض أعماله في الشارع تحدّيًا لقوات الأمن، تلك الأعمال التي يطغى فيها اللون الأحمر بوضوح، ويتزعم بطولتها بتحدٍ، كما يتبدى في لوحة له يفيض فيها على الأبيض والأزرق إسقاطًا على العلم الفرنسي.

Gérard Fromanger : Album Le Rouge, 1968. 21 affiches sérigraphiées. Gérard Fromanger, 2016 / Centre Pompidou / Dist RMN-GP, photo Georges Merguerditchian

في لوحاته السيريغرافية التي تبصر فيها أعلامًا دامية، تتجلى الشخصيات بقوة حضورها، رجالًا ونساءً وأطفالًا، في حركة دائمة، رمزًا للطاقة والحزم والعزم، ودلالة على إمكانية الهروب من عالم واقع في أيدي الأسواق المالية، حتى لتبدو «الجماهير الشعبية تتحرّك» وهذه هي ثيمة أعماله المركزية.

أجمع النقاد أن أسلوب فرومنجيه الذي تفرد به وقتما صهر برودة الواقع مع حرارة الشعور، ناشرًا علامات ووقائع من العالم المعاصر،يقدّمه في إطار نضال وجوديّ كان من نتائجه عزله على الساحة الدولية.

علي فرزات.. والمرايا الخادعة

لقد خلقت لأختلف مع من كانوا ومع من هم الآن، ومع القادمين. النقد مسألة في غاية النبل من أجل غد أجمل وأفضل للإنسان وللعالم، أنتقد وأنا مع النقد دومًا.

في إحدى المقاهي ذات الطراز الدمشقي الفاخر في سوريا يجلس واحد من أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم العربي، الكاريكاتير السوري ذو اللحية علي فرزات عند شرفة تطل على عالم مزدحم من الخواطر منعكسًا على مفرش المائدة الأبيض الذي محو ذاكرته، يرسم بحبره دراويش،يشرد ثم يشرع في إشعال سيجار ويرسم رجلًا يرتدي تنورة واسعة وقبعة سامقة هو أقرب للدرويش من جديد.

نتيجة بحث الصور عن علي فرزات

في وطنه سوريا لا توجد جريدة واحدة لديها استعداد لنشر رسومه، وعن ذلك حكى يومًا ساخرًا عن صحيفة مقربة من الحكومة السورية عرضت عليه أن يرسم لديها بانتظام؛ فأرسل إليها 10 من رسوماته لكي تختار منها مادة للنشر، إلا أنها ردت بأنها لا تستطيع أن تنشر أي عمل من هذه الأعمال العشرة، ويذكر أن فرزات قد تعرض لعملية اختطاف واعتداء في أغسطس 2011.

فأعماله التي تنفرد بجرأتها تفضح لنا الأساليب القمعية، والتعذيب، والتنكيل، والتعصب الديني، والفساد المستشري في البلاد.

في الوقت الحالي بصفة دائمة تنشر رسوماته  في صحيفة «الوطن» الكويتية، ومن وقت لآخر تنشر في صحيفة «لوموند» الفرنسية.

عبدو عبد القادر.. أيوب الجزائر

في الصفحة الأخيرة من أكبر جريدة جزائرية «الخبر» لطالما سكنت يوميًّا رسومات الكاريكاتير الساخر عبدو عبد القادر، الملقب بـ«أيوب» لعشرين سنة وما يزيد، «أيوب» هو اسم مستعار اتخذه خلال فترة الإرهاب الدامي في الجزائر، بسبب التهديدات التي كانت توجهها المجموعات الإرهابية المسلحة، ضد الصحافيين والفنانين والمثقفين، إذ اغتالت وقتها 53 صحافيًّا.

اختزل تمرده ورفضه للنظام السائد وحكومته في رسماته التي كانت تنبض بآراء قريبة من الشعب الجزائري؛ لذا تابع رسوماته زمرة من القراء على صعيد مستويات تعليمية وطبقات اجتماعية مختلفة، وقد أجمع العديدون أنه أفضل رسام كاريكاتير جزائري.

بطبيعة الحال كان يتلقى تهديدات بسبب جرأته وتخطيه لكثير من الخطوط الحمراء، حيث تعرض في رسوماته لجنرالات الجيش، ولقادة المجموعات الإرهابية، لكنه ما فتئ يعبر عن آرائه ضاربًا بتلك التهديدات عرض الحائط، ساخرًا من الرئيس بوتفليقة ورؤساء البرلمان المتعاقبين منذ التسعينات، إضافة إلى قادة الأحزاب السياسية.
منذ سنوات ترك أيوب العمل لاختلافه مع الصحيفة على الأمور المادية.

مؤيد نعمة.. وسكين الحقيقة

سقطت القيود التي كبلت العراق مدة خمسة وثلاثين عامًا وبسقوطها تنفس رسامو الكاريكاتير من الفنانين والمثقفين والكتاب هواء الحرية العليل بعد أن ظلوا في ظل حكم الديكتاتورية يسايرون خط الحكومة، إلا قليلًا ممن تمردوا منهم وعلى رأسهم مؤيد نعمة، وعبد الخالق الهب، وقد قال الأخير يومًا: أرسم للفقراء لا للمتعلمين لأنهم لا يعرفون ما يجري!

تحت راية صدام المعتمة سجن نعمة عام 1979 لعضويته في الحزب الشيوعي العراقي. وقد قال نعمة معبرًا: «كان هناك رجل شرطة في عقل كل عراقي».

قضى نعمة نصف حياته منتظرًا بلهفة أن يرسم ما يحلو له دون ضغوطات، لكن المتشددين الإسلاميين ظهروا في حياته مهددين بحجة أن رسومه تسخر من أعمال العنف وتمتلئ بمشاهد القتل، غير أنه أصر بقناعة عميقة على موقفه.

لماذا القتل؟!

نعمة: «لأن القتل هو الشيء الوحيد الذي يهم أولئك الناس، حين تسخر ممن يرتكبون هذه الأعمال فإنك تقول للآخرين إن هذه أعمال غير قانونية وغير أخلاقية».

في رسومه تتجسد وحشية النظام السابق. كرسمة تظهر صدام جزارًا يقطع اللحم، وظهر إلى جانبه لافتة كتب عليها: «نحن متخصصون في المذابح الجماعية».

المقاومة بالرسم طريقته في الوقوف في وجه العنف من تفجير السيارات، وقطع رؤوس بعض الأجانب والعراقيين، تلك هي القضية التي تهيمن على رسوم نعمة التي تنشر في صحيفتي المدى والنهضة.

وقد قال يومًا: «قطع الرؤوس والقتل والتمثيل بالجثث، لا أحد يمكنه قبول ذلك؛ ولذلك أركز أفكاري حول هذا الموضوع فالقمع هو ماضينا، والأمر الآن يتعلق بالديمقراطية، لا بد أن أستمر».

عن المناضل ناجي العلي

في لندن أغسطس 1987، اغتيل ناجي العلي برصاصة، وهكذا سطرت النهاية الحزينة لأشهر الرسامين العرب في العصر الحديث، لطالما تميز بالنقد اللاذع الذي يعمّق عبر اجتذابه للاتنباه الوعي الرائد من خلال رسومه الكاريكاتيرية، ولطالما امتلأت رسومه بروح التمرد ضد النظام الصهيوني القمعي، وسخرت رسومه من القادة العرب، وشرّحت السياسات الإسرائيلية. باستخدام الفن كأحد أساليب التكثيف.

اللي بدو يكتب لفلسطين واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حالو ميت.

اختار العلي لرسومه شخصية «حنظلة»، وهو رسم يظهر فيه طفل يعقد يديه خلف ظهره، وقد أصبح فيما بعد توقيعًا خاصًا له، ورمزًا للقضية الفلسطينية.

وعن حنظلة يقول ناجي:

«ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائمًا في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة، ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو حال فقدان الوطن استثناء».
وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: «كتفته بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبعًا».

وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب: الليبرالية في تاريخ الفكر العربي
معرض باريسي يستعيد فرومنجيه.. رسام التصويرية السردية المنسي
علي فرزات: ريشتي هزت عرش الأسد
أشهر رسامي الكاريكاتير الجزائريين يستقيل لأسباب مادية
ما يتجنبه الكتّاب ويتناوله الكاريكاتير الجزائري
عرض التعليقات
تحميل المزيد