عبقرية حية، سارت بقلمٍ ووعي، تخطو مُفصلةً عالم معقد، ليَنتُج برهان سليم بعد كل خطوة وكلِمة بقلمه مبرزًا مدى عبقريته.

نجيب محفوظ، ولد بالحادي عشر من ديسمبر، ليُطلَق نحونا سردًا عن طوابع وقيم وقصص على منوال الألحان في الوصف وتجسيد الحياة بما تحتويه من: أمل ويأس، خير وشر، قوة وضعف، خوف وأمان.

دبت قدماه حي الجمالية والحسين، وطرقت أذناه الحواديت الواقعية، سجلت عيناه ما خفي من حكمة وراء تلك القصص وما امتنع غيره عن رؤيته، بدأت يداه بتدوين ما تناولته أذنه وعيناه في الحياة وما راود عقله من أفكار.

بدءًا من الثلاثينات بقصص قصيرة يتم نشرها بالمجلات إلى أن بُعثت أول رواية لنجيب محفوظ «عبث الأقدار». بدءًا من حقبة الأربعينات برز الأدب الواقعي الاجتماعي بأعماله، مثل (القاهرة الجديدة-خان الخليلي-زقاق المدق).

المَزج بين لونين مختلفين في عمل واحد وإدماجهم معًا، كتوأمٍ برحم، كانت إحدى نقاط عبقريته بملحمة الحرافيش، الرواية التي مزج بها نجيب محفوظ بين الأدب الواقعي الاجتماعي والفنتازيا والوجودية.

لم يستلهم نجيب كلمة ملحمة من وحي الخيال؛ لأن الصراع بين الأجيال البشرية الذي تناولته الحرافيش بعشرة قصص لأجيال مختلفة سكنت حارة مصرية كان ملحميًا.

لم يكن الصراع مجرد صراع الفتوات بالنبوت فقط، لكنه صراع البحث عن العدالة والخلاص من الحكم الديكتاتوري، حيث تتضح تلك الفكرة في تساؤل الصبي:

«هل يُرضيه الظلم يا جدتي؟

ــ كلَّا، يا بني.

ــ ِلمَ يسكت عنه؟

ــ من يدري يا بني؛ ربما لسخطه على تهاون الناس مع الظالم».

إن أمعنت النظر برواية الحرافيش بما تملوه من مناقشة لظواهر عالمنا، سوف تجد أنها تتماشى مع كل زمانٍ ومكان؛ لذلك لم يحتج نجيب محفوظ إلى أن يحدد زمان أو مكان لروايته، لقد كانت حارة الحرافيش هي انعكاسًا للعالم الأكبر.

سارت تلك الرواية على نحو السهل الممتنع؛ تركت الرواية نموذجًا دقيقًا عن الفرد البشري من الشريان إلى الشريان، بما تطرقته من نماذج لدوافع ونفوس بشرية.

تعاقَب الحكام بداية من عاشور الناجي إلى وحيد ومؤنس وسماحه وجلال وشمس، تجد كل منهم أيضًا في صراع عبثي آخر – شخصًا يطمح الانغماس بالقوة، آخر المال والنفوذ، وآخر يركض خلف أسطورة الناجي ..إلخ-

على الرغم من اختلاف غايات كل شخصية من أبطال روايتنا، لكن تطفو شهوة لدى الجميع بالانتصار بصراعات الحياة، وتنتهي تلك الشهوة دومًا بفوز الحياة أو اعتياد الفرد البشري لتلك المسارات والصراعات.

«لا دائم إلا الحركة، هي الألم والسرور، عندما تنبت الزهرة، عندما تنضج الثمرة، تمحي من الذاكرة سقعة البرد وجلجلة الشتاء». وقد كان عاشور الناجي هو الناجي الوحيد باختفائه، حيث منذ أول السطور لم يفصل نجيب محفوظ بين الحياة والموت.

الملحمة هي الممر بين الحياة والموت مما يجعل صراع الفرد هو صراع عبثي، فيموت وينتهي أحدهم، حيث يولد ويبدأ الآخر، ولا دائم سوى الحركة.

بحر حياة، مفاهيم وقضايا متوالية بين أسطر نجيب محفوظ، توالت ألوان نجيب محفوظ، وأبرزها كان الأدب الواقعي وظهر به مواضيع وجودية.

لا يُبالغ القول أن نجيب محفوظ من أبرز من دسوا فلسفة الوجودية بأعمالهم كما برواية الحرافيش، كمناشدة «جلال» -أحد الشخصيات- الخلود بعد فقدان والدته وخطيبته ساعيًا لهزيمة الموت.

إذا بنجيب محفوظ تاركًا أثرًا بفلسفة الوجودية، التي كان «فيودور دوستويفسكي، و جان بول سارتر» من أبرز أعلامها.

نجيب محفوظ أيضًا مِن مَن تأثروا بثورة 1919 وذكرها برواية بين القصرين -أول أجزاء الثلاثية-.

بعد الانتهاء مِن ما سعى إليه بفكرة الثورة، إذا به يعود بعد أعوام أخرى منتهجًا أسلوبًا رمزيًا بروايتي (الشحاذ وأولاد حارتنا)، كانت الأخيرة ناتجة بعد انحراف نظرة الثورة عن مسارها.

تبلورت موهبة نجيب محفوظ أيضًا حول مناقشة قضايا فلسفية لا اجتماعية فقط، بأسلوب روائي وأدبي مثالي. ذكر نجيب محفوظ عن (أولاد حارتنا): «هي لم تناقش قضية اجتماعية واضحة كما في أعمالي السابقة، بل هي أقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة».

على الرغم من عبقرية روايته إلا أن نظرة نجيب محفوظ الكونية لم تحمل مثقال ذرة من تشابه نظرة مجتمعه. تم منع نشر أولاد حارتنا بنفس العام الذي صدرت به، وأثارت جدلًا، أو أنه كان أقرب إلى بركان ملتهب قُذف به نجيب محفوظ؛ لتناول نجيب محفوظ الذات الإلهية بروايتنا.

قصة الجبلاوي وبنى ذريته الذي سلط نجيب محفوظ الضوء حول لامبالاة الجبلاوي بذريته التي نُقلت لمرافئ الفقر والظلم والفساد، وتنتقل الرواية لظهور شخصيات مميزة على تباعد، (جبل، رفاعة، وقاسم) يتولون النضال واحدًا تلو الآخر.

مع مرور الوقت تتحول قصص الثلاثي إلى أساطير يتم تداولها فقط؛ لأن «آفة حارتنا النسيان» خفت بريق تلك الأساطير باستمرار، وتناسى القوم النضال والمقاومة، يعود نجيب محفوظ يسلط الضوء لنقطة أخرى -بفصل عرفة- حول قتل القوم لدور الإله.

كان المقصد من دور الإله هو قتل الشعب لمفهوم العدالة والرخاء، وتحويل الأرض لقطعة من الرماد داكن اللون، سكانه شفافو الرأي.

أولاد حارتنا هي نقد باطن لبعض ممارسات الثورة، ورفض للرسوخ والرضا تجاه الظلم والديكتاتورية، وأن الحياة هي صوت الحق، وتذكيرًا لمفهوم الحرية، ودعوة للانتفاضة، لكن هل تستمر حارتنا بالتمسك بآفة النسيان؟

الاختلاف الذي ظهر بفكر نجيب محفوظ الذي تناولته أولاد حارتنا، اعتبره البعض مبررًا لمحاولة اغتياله، لكن لم يبالي نجيب محفوظ لذلك الاختلاف، ولم يبغض معارضيه بالرغم من ذلك، حيث صرح بحزنه على إعدام من حاولوا اغتياله.

واصل نجيب تقديم ما يُتقنه، تتوج أعماله بجائزة نوبل، تراه يقفز إلى العالمية، وإذا به يواصل أيضًا بسيطًا وهو يكتب بمعقل داره، تجده جعل التميز أمرًا اعتياديًا؛ وهو يتناول زوايا متعددة بطرق مُبتكرة، لا تطرق بالك.

امتلك نجيب محفوظ عينين بصفاء ماء الخلجان، وعيونًا تترجم صورة واقعية وتعيد إحياءها، وعقلًا مُبتكرًا و واعيًا. انعكست رؤيته وعقليته بكُتبٍ كانت أقرب للبحار، بحار ومعاجم مُجزأه منه، وإن كانت رواياته بحار تغرق بها، فإن نجيب محفوظ هو محيط، وأسطورة نادرة، تعطي إلهامًا وأملًا وابتكارًا.

طالما كان نجيب محفوظ حي بيننا وفي عقولنا بحروفه الذهبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد