عاهدنا أرضنا المقدّسة بميعاد التحرير، لكن الحكّام العرب انقلبوا على ميزان الأولويّة وصارت فلسطين محلّ مساومة وعبث قواها التي تنعى الوطنيّة.

في ظلّ تجاذبات اليوم بين الخنوع الذي يشهده ثنائيّ القوّة العربيّة المحصور  ربّما في النظام المصري والنظام السعودي وبين الهيمنة الأمريكيّة التي تفرض نظريّاتها ومقرّراتها على طاولة الحوار، وفي حضرة الملتقيات الدبلوماسيّة أو القمم الدوليّة نشهد تفريطًا وتراخيًا في قضيّتنا الأم ومهد النضال والصمود ليميل الطرف الذي كان مصدرًا للقوّة في ذات يوم ليصبح مصدرًا لنشر الضعف والذعر والضغط على الدول الصامدة في وجه تيّار الانبطاح السائد.

الملايين من الدولارات التي تحلبها الإدارة الأمريكيّة وتضخّها الحكومة والنظام السعودي عمومًا في الخزينة الأمريكيّة، هي في الواقع تمثّل نسبة من الميزانيّة الحربيّة الأمريكيّة ضمن الميزانيّة العامّة الأمريكيّة، لتزيد في سلطانها وبطشها ومنها البطش الاستعماري الصهيوني.

التراخي السعوديّ المصريّ الذي صار حديث كلّ العرب في كلّ الأطر مكانيّة كانت أو زمنيّة، استدلّ خبراء بانتهاء شرعيّة هذه الأنظمة لتبرير هذا السخط السياسي حيث إنّ الانقلاب العسكريّ في مصر والانقلاب السياسي في السعوديّة خاصة بعد التمرّد على طريقة التناوب في استلام السلطة يجعلهم يلوذون بالبحث عن شرعيّة أو مبايعة دوليّة للانقلاب وعسكرة الدولة في مصر والمرحلة الملكيّة الجديدة في السعودية لتنحني الأنظمة انحناء الذلّ والعبوديّة.

السلطة الفلسطينيّة بدورها تجاهلت الإرادة الشعبيّة في خوض حرب التحرير وبناء جيش ولو بأبسط العتاد لهيكلة وتنظيم المقاومة المسلحة أملًا في الضغط على أيّ حوارات ومفاوضات مستقبليّة، بل وقد لعبت دور عصا الاحتلال الغليظة لردع الشعب وإجباره على الرضوخ والقبول بمشاريع الاستيطان في منظومة تسمّى «التنسيق الأمني» رغم تنديدها وقضاياها التي ترفعها لمحكمة الجنايات الدولية والتي يرجّح أن تكون تسويقًا لصورة مبيّضة لها في الأرجاء الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة كافة.

في ظلّ هذه السياسة لن يكون للفلسطينيين أدنى خيار غير العودة لمسار المقاومة المسلحة وخوض أرقى سبل التضحية والنضال في سبيل هذه الأرض العربية، فهذه الأرض تستحق أن تروى بدمائنا في معارك وحين نخوض الجلاد في سبيل الله وإذ إنني من أشدّ المعارضين والرافضين لاتفاقية أوسلو والهدنة الإسرائلية العربية لأنّ فلسطين ممتدّة على كامل أراضيها التاريخيّة ومن يحدّد لها حدود أو يرسمها هو شعبها العظيم ولا يمكن أن يوكل لأيّ جهة «سياسيّة» أي تفويض.

الأمر ليس مسألة شخصية وإذ إن حديثي من منطلق الغيرة على أرض عربية مغتصبة في أنظار الأحرار وأصحاب القضية، حيث إن الأحداث التي بلغناها من احتلال القدس واستعمارها عاصمة للصهاينة والفكر الرجعي الإسرائيلي عنوة عن إرادة الشعب الراسخة في هويته العربية تدعونا لإسقاط هذه السلطة وتوحيد كل الفصائل المسلحة في مجلس عسكري فلسطيني- فلسطيني. فالتجربة الفلسطينية حيال الخيانة العربية تجعلها تنأى بنفسها من أي سياسة لرسم محور إقصاء شعبي في فلسطين فحين يرنو السلاح في أرض المعركة وتعلن الفصائل وحدتها وتبدأ حربها حينها ليس للعرب غير دعم القضية ولو كره الكارهون وليس للشعوب غير النصرة والذي بات راسخًا حيًّا في وجدان القوميّة العربيّة.

الفلسطينيون لا ينظرون للعرب بمنظور الخيانة أو ائتلاف المؤامرة وإذ إنّ العرب حتمًا قد خانوا الأمانة ولطخت سمعة الشعوب كذبًا وبهتانًا، فالفلسطيني متفتّح ومثقّف وشجاع  يغار على وحدة الجسم العربي الهشّ ويدافع في سبيل الكرامة العربية.

الفلسطينيّون يضحوّن بشهداء اليوم ومليونية الحدث، أردفوا منهم قتلى وهم أحياء عند ربهم يرزقون هم شهداء وهم رجال لا تحكمهم رصاصة ولا عقار لا يسيّرهم دينار لا يبتاع يمينهم دولار.

الربيع العربي لم ينته؛ حيث إنه سيعصف يومًا بالسلطة الخانعة ورموزها وسيحرر كامل فلسطين 1948 وما قبلها.

والقدس عربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد