منذ شهرٍ تقريبًا مرّت ذكرى قرار الأمم المتّحدة بتقسيم فلسطين. وهو ذاته اليوم الذي حدّدته الجهة ذاتها – الأمم المُتحدة – يومًا للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وبغض النظر عمّا في الأمرِ من مفارقةٍ تدعو إلى الدهشة فإن غالبيّة الدول العربيّة تقريبًا قد أقرّت اليوم ذاته للاحتفال بهذا التضامن.

دارت احتفالات غالبيّة الدول العربيّة هذا العام حول أمرين تقريبًا. فالجهات السياسيّة كجامعة الدول العربيّة وغيرها اهتمّت بالتأكيد على قضيّة اغتصاب فلسطين وحق عودة الفلسطينيين إلى بيوتهم. بينما الجهات غير السياسيّة كالمؤسسات المختلفة والجهات الفنيّة فاهتمّت أكثر بإحياء التراث الفلسطيني فقامت بعرض الأفلام التي تتحدث عن التراث الفلسطيني وغُنيت الأغاني الفلسطينيّة وتشارك القوم في رقص الدبكة الفلسطينيّة إعلانًا عن تضامنهم مع قطاعٍ من الشعب العربي تم تشتيته على مدار ستين عامًا.

وبين النموذجين السياسي وغير السياسي انفصالٌ يصل إلى حدود المرض. فكيف يطالب السياسيون بحق العودة لأفرادٍ لم يموتوا أو يتشتتوا فحسب وإنما أوشك تراثهم على الانقراض كذلك. وبين هذا الشكل من الاحتفالات وبين حقيقة المأساة الفلسطينيّة انفصالٌ آخر.

في عالمٍ كهذا يحتفل بتضامنه مع المنكوبين بترقيص اللسان وإطلاق البيانات الاستعراضيّة أو بترقيص الجسد وإطلاق العروضات المسرحيّة؛ يبدو موقف بعض الدول أو رجال الأعمال بتجميع التبرّعات لهؤلاء المنكوبين هو عملًا بطوليًا أسطوريًا، بينما هو في حقيقة معنى التضامن إحدى أقل الأدوات قوّة في تحقيق التضامن.

كيف نتضامن مع فلسطين إذن، ولماذا تظلّ القضيّة – بعد ستين عامًا – غير محلولة؟

إن كّنا نسعى إلى معرفة أفضل أشكال التضامن، فهذا يستوجب أن نجيب أولًا عن سؤال: مع أيّ شيءٍ نتضامن؟ حتى نعرف كيف نتضامن معه. والإجابة أننا نتضامن مع قضّية الفلسطينيين. ولكن كي نفهم طبيعة هذه القضيّة علينا أن نعيد النظر في فهمها من ناحية تاريخيّة على الأقل.

وفي ظنّي أن القضيّة لم تبدأ عند وعد بلفور أو بسببه باعتبار أن الغرب تضامن مع اليهود ضد العرب. إذ حاول الغرب أن يتضامن مع العرب لتحقيق مصالحه أيضًا. وهو ما يظهر واضحًا وجليًا في مراسلات ماكماهون للشريف حسين. الاختلاف بين الأمرين – مراسلات ماكماهون ووعد بلفور – لا يمكن فهمه من خلال نظريّة المؤامرة المريحة فنركنُ إلى فهم المراسلات على أنها كانت مؤامرة أو وسيلة إلهاء للعرب. إذ إنّ الأمر لا يتوقّف على الكلمة المنطوقة دون ما يتوّفر لها من قوّةٍ مؤيّدةٍ وحركةٍ فعليّة ومستقلّة على أرض الواقع.

الأمر يعتمد في النهاية على علاقات القوى والمصالح، وهو ما فهمه اليهود منذ مئة عامٍ وتعاملوا على أساسهِ. هكذا بدأت قضيّة فلسطين بفعلٍ عنيفٍ من اليهود مؤيّد بغطاءٍ سياسيّ وفّرته لهم إنجلترا أيام الانتداب. وخلال عشرين عامًا تالية امتنع العرب عن أي فعلٍ عنيفٍ حقيقيّ مقاوم واكتفوا بالتنديد والرفض والتهديد بإلقاء إسرائيل في البحر بينما قامت إسرائيل فعليًا بفعلٍ عسكريّ مرّة أخرى فاحتلوا أغلب فلسطين وأماكن أخرى من البلاد المجاورة، معتمدة على المصالح المشتركة بينها وبين الغرب، وليس على القيم الإنسانيّة والأخلاق التي يتمسّك بها غالبيّة العرب كخطاب للمقاومة.

لقد بدأ الأمر بأفعالٍ عنيفة بينما الأفعال المضادّة من قبل العرب لم تتغيّر على مدار ستين عامًا عن كونها ترقيصًا للسان وإطلاق البيانات المهددة والمندّدة، أو السفر بين البلاد في رحلاتٍ ممتعة والتظاهر بعقد المؤتمرات وتوقيع الاتفاقيات لحل القضيّة، غير أن هذا لم يزدها إلا سوءًا.

اعتدتُ كلّما قابلتُ صديقًا من فلسطين أن أسأله كيف يرى القضيّة؟ وقد أجمع كل من قابلتهم – وقد قابلتُ الكثيرين – على أن القضيّة إنسانيّة بامتياز. إذ كيف في هذا العالم الذي يرفع القيم والمبادئ الإنسانيّة أن يقف ساكنًا أمام كل هذا القتل واغتصاب الأرض في فلسطين. وبرغم أن هذا قد يبدو عوارًا في جبين الحضارة «الإنسانيّة» المزعومة التي نعيشها الآن؛ إلا أنّه لا يبدو العوار الوحيد.

وحقيقة الأمر أن قضيّة فلسطين «الإنسانيّة» ليست مجرّد قضيّة مطلقة لا تتغيّر بتغيُّر الزمن وإنما قضيّة فلسطين «الدينيّة» هي القضيّة المطلقة. فحقّ العودة لم يعد ذا معنى الآن. إذ إنّ من هُجّر عن أرضهِ فعليًا قد مات أو قُتل خلال ستين عامًا؛ فكيف يحق لمن وُلِد وعاش في المهجر أن يعود لأرضٍ صارت غريبة عليه ولم يعرفها إلا في حكايات الجدّة.

لا يمكننا الارتكان إلى المبادئ الإنسانيّة والأخلاق حين نفكّر في قضيّة فلسطين الآن. كان يمكن أن نفعل هذا منذ ستين عامًا حين وقف العرب يختبرون علوّ أصواتهم في الإذاعات مهددين ومنددين قبل هزيمة 1967 النكراء. فحين نتكلّم عن الأحقيّة التاريخيّة لا يمكننا أن نتغاضى عن حقيقة أن اليهود صار لهم تاريخ على هذه الأرض. وأن هناك من اليهود من وُلد وتربى في هذه الأرض ولا يعرف له وطنًا آخر. كما لا يمكننا الحديث عن حقّ العودة – إذا نظرنا إلى الأمر من منظور أخلاقي إنساني – فنعيد إلى فلسطين أفرادًا لم يولدوا فيها ولا زاروها يومًا، وننزع منها أفرادًا لم يعرفوا غيرها وطنًا لهم.

والواقع الذي نراه يحدث أمامنا الآن هو مزيدٌ من الاكتساح الصهيوني للأراضي الفلسطينيّة، وتأجيجًا لهذه المعضلة «الإنسانية/ الأخلاقيّة» التي صارت معيار العالم الحديث في الحكم على الأمور، والتي يفرضها بالقوّة العسكريّة والإعلاميّة كمرجعيّة وحيدة لرؤية القضيّة.

في واقعٍ كهذا كلّ ما يحرّكه هو المصالح المشتركة والقوّة العسكريّة؛ كيف يمكننا أن نتضامن مع فلسطين؟ بل ما الذي صار يعنيه أن نتضامن مع فلسطين وماذا نرجو من وراء هذا التضامن؟ والأكثر من هذا؛ ما الذي صارت تعنيه فلسطين لنا ولماذا نتضامن معها؟ إننا في حاجةٍ لأن نعرف كيف نفكّر في فلسطين؟

هل يمكننا إذن بضميرٍ مرتاحٍ أن نضع القضيّة الفلسطينيّة جنبًا إلى جنبٍ مع قضايا الأفارقة في أمريكا في القرن التاسع عشر؟ أو مع قضايا الاستعمار الغربي للبلاد العربيّة في القرن العشرين؟ أو حتى مع مأساة البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن العشرين أو مأساة الروهينجا في القرن الحادي والعشرين؟

إذا كانت الإجابة هي نعم، فكيف إذن نفسّر عدم حلّها حتى الآن؟ ولماذا تظلّ صداعًا في رءوس العرب وغيرهم على مدار ستين عامًا؟ والأكثر من هذا؛ كيف نفسر السياق التاريخي لكل الحملات الصليبيّة الأوروبيّة التي سعت للسيطرة على القدس خلال قرونٍ عديدة بدعوى أنها ميلاد المسيح؟

وإن كانت الإجابة لا، فما هي خصوصيّة القضيّة إذن؟ وما الذي يميّزها عن باقي القضايا والمآسي التي عاشها ويعيشها العالم الحديث؟ والأهم من هذا؛ كيف نفهم خصوصيّة القضيّة وكيف نقيم خطابها المقاوم الذي يسعى إلى إبراز حقيقتها بعد كل البيانات الاستعراضيّة التي داوم ساسة العرب على إلقائها بنفس مفرداتها دون مللٍ على مدار العقود متعامين عن التغيُّرات التي تحدث على أرض الواقع.

إن الأمر الذي نحتاج أن نواجهه أو نكتشفه الآن؛ خاصّة مع قضايا سوريا والعراق ولبنان وليبيا وهي مآسٍ إنسانيّة أخرى؛ أن نفهم ما هي خصوصيّة فلسطين، وكيف – في وسط كلّ هذه التغيُّرات على الساحة العربيّة – نفهمها ونفكّر فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد