يُطلق الاحتلال الصهيوني على الانتفاضة الشعبية لأهلنا في فلسطين وهم يواجهون صلف الاحتلال وعدوانه المتكرر على الأرض والعرض، يُطلقون عليهم اسم “الذئاب المنفردة”!

ضلت مسامعهم وشلت أركانهم وذلت ألسنتهم، فوصفوا أسودنا الكرام وأبطالنا العظام بالذئاب بل هم الذئاب! وأدهى وأمر.

قد يعجز القلم وقبله العقل والقلب عن أن يُعبر عما يسطره الدم الفلسطينى فى لوحاته الفنية التاريخية المتكررة ليروي بها عطش الأمة للتضحيات الخالصة والبطولات النادرة لترسم بنفسها وبيدها لا بيد عدوها خارطة مستقبلها الزاهر ليواكب ماضيها الفاخر ويتجاوز حاضرها العاسر.

فكان لنساء فلسطين السبق والفضل في غسل عار الأمة، وهن يدافعن بأجسادهن الهزيلة وأرواحهن النضرة العطرة عن شرف الأمة ومقدساتها ومسجدها الأقصى، وبذلوا وضحوا وصمدوا وصبروا حتى أشعلوا بثباتهن وصمودهن همة الرجال وإرادة الأحرار وعزيمة الأبطال ليرسموا بأرواحهن الزاهية ودمائهن الزكية انتفاضة الدهس والسكاكين لطعن كل غاصب ظالم عدو سارق الأرض والمقدس والعرض.

ولما كانت انتفاضة الدهس والسكاكين ثورة مكتملة الأركان على الظلم والصلف والعدوان، ثورة شعب صبر على فصائله ليخرجوا له مجتمعين موحدين، فأبت فرقتهم وشرذمتهم أن يتحدوا على قضيته العادلة، ويتفقوا على أهدافه السامية، فكان الجواب عنده بدون ترتيب ميعاد أو أخذ الأذن من الأجير البواب، ليفتح لهم طريق النضال، ففتحوه بعقولهم الذكية وأجسادهم القوية وأرواحهم الزاهية، ليقدموا نموذجًا فريد الصفات كثير العظات والعبرات، متقد الهمة مشتعل العزيمة وملتهب الإرادة، ليُلهم الأمة كلها، ويُرشدها طريقها، ويحفظ لها قيمتها وكرامتها.

ثورة شعب حر أبى، لم يرض الظلم طوال تاريخه، ولم يقبل الضيم أبدًا، ولم ينزل على رأى سياسيه العجزة، ضحى – وما زال- بالغالي والنفيس لتصبح قضيته قضية أمة تمرض لكنها لا تموت!

وجمال ثورتهم وحلاوة هبتهم أنها جاءت وحال أمتهم لايخفى على أحد، فشقيقتهم الكبرى “مصر” مخطوفة مهزومة مأزومة، لا ترى حولها ولا تسمع أنات إخوتها في اللغة والدين، فهي مزكومة بدماء أُسيلت على يد عسكرها ليجلسوا على تلها بعد خراب أمل شبابها وشيباتها في غد مُشرق يرفعون فيه الهامات بالعزة والكرامة والعدالة. ولم تكفهم شقيقتهم الكبرى شرها بل ضيقت عليهم وتعاونت مع عدوهم ووصمتهم وإعلامها بأقذى الأوصاف وأبشع الصفات لُتشوه صورتهم ومقاومتهم ونضالهم.

واختفت عنهم “سوريا” بعد أن هتك أستارها “الأسد” ومزق شملها “الدواعش” وباتت فريسة للغرب والشرق ومؤامراتهم، وأضحى شعبها ومقاومتها في مواجهة مع “بشار” و”الدب الروسى” ومليشيات”حزب الله” وكتائب “الحرس الثوري” و”الطيران الغربي” و”الدعم العربي”.

 
وانشغلت عنهم “السعودية” بإرث ثقيل من ملكها السابق، بعد أن تركها محاصرة بالطوفان الصفوي من كل حدب وصوب، فأخذت على عاتقها تطهير أرض الحكمة واليمان من أتباع “الحوثي” بضرباتها الجوية والتي ما زالت مستمرة حتى الآن تقصف كل ما يقع في دائرتها حتى ولو كانوا مدنيين عزلاً.

ورغم آلام الأمة وجراحها ستظل القضية الفلسطينية قضية الأمة المحورية الجامعة، إذا ما تجاوزت أمراض الاحتباس الأيديولوجي وأعراض الانغلاق التنظيمي ومشاكل الانحصار الفصائلي، وانتقلت إلى رحابة الأمة وسعتها وسلامة القضية ونقائها وميدان العمل الخالص لها.

وستظل إسرائيل مرضًا سرطانيًا أصاب جزءًا من جسد الأمة ليؤلم باقي أجزائها وستتداعى لها الأمة كلها لاستئصاله. وستبقى إسرائيل عدو الأمة الأول ما بقي احتلالها جاسمًا على صدرها، وسيبقى لها ذيول عربية ومستعربون في دولنا ومن بني جلدتنا موانع ضخمة لعدم بقاء الأمة يقظة منتفضة؛ لتدافع عن نفسها وشرفها وعرضها.

وستبقى القضية الفلسطينية قضية أرض وعرض في ثوب عقائدي ما بقي لإسرائيل وأعوانها نفس ينبض على أرضنا. وستبقى القضية الفلسطينية قضية كل ساجد عابد لله وحده، ثائر على كل ظلم كاره لكل ظالم. فمهما تم من تشويه للنفس البشرية “السوية” ستظل محتفظة بإنسانيتها لتنفض عنها غبارًا أصاب عقلها وقلبها ولترفع عن غيرها كل ران أصابهم من ظلم الظالمين وتعاون المجرمين ودعم الإمبرياليين.

فلا تنسوا للأمة هبتها وأعينوها في انتفاضتها، ولا تتركوها لوحدتها ومرضها وسباتها حتى تفيق من كبوتها، وادعوا الله أن يستعملنا لذلك ولا يستبدلنا.

وعلى الشباب الثائر الحر ألا يستعجل قطف الثمار، وأن يصبر على هبته وانتافضته وأن يخطط لها جيدًا في شكل مجموعات ثنائية أو ثلاثية، حتى يكون لتضحياتهم ثمن مؤلم وموجع للكيان الصهيوني الغاصب.
وعلى المنظمات الفلسطينية والفصائل الوطنية والجماعات السياسية دعم الهبة الشعبية وأسودها بالحشد المادي والمعنوي، والعمل على تجويد العمل النضالي وتطويره في صورته الشعبية الجامعة.

وأن يتم التركيز على الضفة الغربية والقدس ومدن ال 48 وتجنيب غزة الدخول في حرب جديدة، وهي ما زالت تستعيد أوراق قوتها التي أنهكت في الحرب الماضية، وألا تنجر الفصائل المجاهدة لمثل هذا الانزلاق الذي من نتائجه السيئة كبت جماح الانتفاضة الشعبية في الضفة، وأن تكون مشاركة الغزاويين مشاركة شعبية داعمة.

وأن يلعبوا على وتر توازن الرعب بل رجحان كفته الآن لحساب أهلنا في فلسطين التي خلقتها انتفاضة الدهس والسكاكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد