في ضوء التطورات العلمية الهائلة في العصر الحالي، وظهور الأنظمة والقوانين والمنشورات التي توضح كيفية التعامل مع سجناء مركز السجون في جميع الجوانب الاجتماعية والنفسية والفكرية، وفي ضوء قانون مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطينية، من الضروري دراسة واقع هذه المراكز ومعرفة مدى ملاءمتها لتحقيق أهدافها.

كان الغرض من السجون يختلف من وقت لآخر، حسب الغرض من العقوبة. والغرض من السجون في السلطة الفلسطينية في الوقت الحالي هو منع المجرمين من ارتكاب الجرائم مرة أخرى وحمايتهم من الانتقام، بالإضافة إلى حقيقة أن السجون هي أماكن لتطبيق العقوبة. فالغرض من مدة السجن هو الحصول على ردع خاص وعام، وإخضاع السجناء لبرامج تهدف إلى الإصلاح وإعادة التأهيل بحيث يمكن إعادة دمجهم في المجتمع.

وتعترف السلطة الفلسطينية بنظام السجون وسيلةً لمكافحة الجريمة لفترة طويلة، كما يتضح من السجون الفلسطينية، والتي يعود معظمها إلى الفترتين العثمانية والبريطانية، ولكن السجون وسيلةً لإصلاح المجرمين وإعادة تأهيلهم لم تكن واضحة حتى بعد وصول السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994. إلا بعد صدور قانون مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطينية رقم 6 لسنة 1998، الذي غيَّر اسم السجون إلى مراكز إصلاح وإعادة تأهيل، وأخضعها لرقابة وإشراف مدير مؤهل ومستقل للشرطة المدنية الفلسطينية.

ومرت السجون والمؤسسات الفلسطينية بثلاث فترات تاريخية مختلفة، وقد خضعت هذه السجون لسلطة الانتداب البريطاني من عام 1918 إلى عام 1948، ثم خضعت للحكم الأردني حتى عام 1967، ومن ثم خضعت للسيطرة الإسرائيلية حتى عام 1994. إلى أن جرى توقيع اتفاقية أوسلو التي نقلت الضفة الغربية وغزة إلى سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية.

أصدرت السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1998، قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 6 لسنة 1998. الذي وقعه الرئيس ياسر عرفات، ويعد هذا القانون نقلة نوعية من حيث الأهداف القانونية والإنسانية والاجتماعية. فقد ألغى تسمية سجون، وأعلن مكانها اسم مراكز الإصلاح والتأهيل، الذي يهدف إلى رؤية جديدة وحديثة تغير المنظور العام عن السجون، أضف إلى ذلك قرار الرئيس ياسر عرفات معلنًا الإدارة العامة لمراكز الإصلاح والتأهيل إحدى إدارات الشرطة. إلا أن هذا التقدم من الناحية القانونية وغيرها لم يغير الكثير على الواقع البائس لمراكز الإصلاح والتأهيل الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

فمن حيث الهيكلية الإنشائية والبنائية فإن أغلب
المراكز (السجون) أقيمت في منشآت سكنية أو تجارية، وجرت وملاءمتها قدر الإمكان حتى تتناسب مع غايات مراكز الإصلاح والتأهيل، أضف إلى ذلك كون هذه المنشآت لا تتوفر فيها معظم المعايير الدولية المتعلقة بالسجون، كما أنها تفتقر إلى الخدمات الصحية
المناسبة والتعليم والترفيه، وعدم وجود آلية تصنيف موحدة للسجناء في المراكز، وعدم توفير العمل داخل أو خارج هذه المراكز. وما تزال بحاجة إلى الكثير من القدرات والخبرات
لتحقيق أهدافها المطلوبة.

من ناحية أخرى. فإن البرامج التدريبة والتأهيلية والتي جرت الموافقة عليها في جميع مراكز الإصلاح والتأهيل في السلطة الفلسطينية، لا تطبق بسبب العجز المادي وقلة الخبرات التي من شأنها متابعة السجناء ومراكز الإصلاح والتأهيل، ووضع استراتيجيات خاصة لكل مركز حتى تتناسب مع الأوضاع الخاصة في ذلك المركز، ومن الواضح أن إدارة المراكز بكل الصعوبات التي تواجهها تحاول تنسيق الواقع الفعلي مع ما نص عليه القانون، حيث إنها أقرت عددًا من البرامج، التي وبالرغم من أنها لا تتوافق بشكل كبير مع أهداف القانون، فإنها تتماشى مع واقع المراكز وأوضاعه.

وأخيرًا ورغم قِدم قانون مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطيني، فإن نصوصه تتوافق مع المعايير الدولية ولوائح الأمم المتحدة بشأن المعايير الدنيا للسجون والصادرة عام 2015، إلا أن الواقع الفعلي ما يزال بحاجة إلى الكثير من العمل والتكيف لكي تمتثل هذه المراكز للقانون واللوائح الدولية.

وبرأيي، تجربة مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطينية جديدة نسبيًّا بسبب التجربة السياسية الفلسطينية الجديدة برمتها، وأن السلطة الفلسطينية بدأت التجربة السيادية عام 1994، بعد اتفاقيات أوسلو. كما أن تجربتها بسيطة، وخططها ورؤيتها وتوجهها في مجالات مختلفة بشكل عام، وقد أُفسدت إدارة مراكز إعادة التأهيل بسبب أوجه القصور، ونقص الخبرة، ونقص الممارسة والمعرفة، مما انعكس سلبًا على إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل بشكل عام، بالإضافة إلى تاريخ السجون الفلسطينية الذي مر بمراحل مختلفة، خاصة تجربة السلطة الفلسطينية للاستقلال والحكم الذاتي الجديدة نسبيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد