خسارة المسلمين والعرب والفلسطينيين من الضم أكبر من أن يتصورها أحد، قد يكون تأثيرها في الفلسطينيين يماثل تأثير النكبة ويسبق النكسة، فخسارة الأرض وتهجير السكان، ينهي وبشكل كامل على فرصة إقامة دويلة فلسطين، التي رفضها معظم أبناء الشعب الفلسطيني، ويرى بها الآخرون الفرصة للحفاظ على ما تبقى من فلسطين، كي لا يكون مصير فلسطين مصير الأندلس، تعد إدارة الصراع بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال سببًا رئيسيًّا في انتكاسة الشعب والنقطة الرئيسية التي يستقوي بها المحتل على الشعب الفلسطيني، وتعد هذه النقطة سبب الخلافات الرئيسية بين أبناء الشعب الفلسطيني نفسه من طرف، ومن يقف معهم من طرف ثانٍ.

تقع المشكلة الأساسية في إدارة برنامج الصراع مع المحتل، وحين نجد البعض، ومنهم الفلسطينيون ومن يساندهم، يطرح نظريات تقوم على أن الصراع حقوق ومساواة، والشعب الفلسطيني عندما ينال حقوقًا داخل دولة واحدة موحدة تجمع اليهود والعرب سيحقق الحرية التي ينشد، وسيحافظ على فلسطين وتراثها، مستشهدًا هذا الفرق بتجربة جنوب أفريقيا، وتنتشر هذه الفكرة بشكل أساسي بين الأحزاب العربية التي تقع تحت الاحتلال الأول عام 1948م، ولها رواج وأنصار بين العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة.

فكرة إدارة الصراع من منطلق التفاوض أو القبول بالممكن بأقل خسائر ممكنة، وبنضال سلمي مستمد من التجربة الهندية بقيادة غاندي تلقى رواجًا كبيرًا بين الفلسطينيين، ولا يخفى على أحد أن الاتفاقيات الموقعة بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال منذ أوسلو حتى اليوم يستمد من هذه النظرية، وتقوم هذه النظرية بالأساس على المواجهة السلمية بأقل احتكاك ممكن وبدونه ما أمكن، حقق هذا الأسلوب نجاحًا كبيرًا في الهند، وكان له نجاح كبير بعد الانتفاضة الفلسطينية عام 1987م.

التوجه الثالث في إدارة الصراع مع المحتل تقوم على المواجهة المسلحة، يعد هذا الأسلوب أقدم فكر لتحرير الشعوب، ونماذجه كثيرة، وحقق نجاحات كبيرة، ومثال ذلك النضال الجزائري والمغرب ضد الاحتلال الغربي، ويعد التطور النوعي في نوع التسليح والقوة العسكرية التي حازها الفلسطينيون بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 سببًا في نمو كبير في أنصار هذا التيار، وتمكن أنصار هذه النظرية من السيطرة على جزء من أرض فلسطين «قطاع غزة» وتمكنهم من منع جيش الاحتلال من الدخول إلى داخل القطاع على مدار 15 عامًا يعد إنجازًًا وورقة ضغط قد تنهي وجود أنصار التيارات الأخرى، وخاصة مع تراجع المفاوضات.

يعد الاختلاف على إدارة الصراع سببًا في الانقسام الفلسطيني المستمر منذ 2007م، رغم كل المحاولات على الاتفاق على برنامج مشترك لإدارة هذا الصراع الذي يحدد مصير فلسطين، في الوقت الذي يتفق به فريق المقاومة السلمية مع فريق المقاومة المسلحة على خطورة الضم، تجد فريق الحقوق المتساوية يجد بهذا الطريق فرصة أكبر لتحقيق مكاسب، وضم مزيد من السكان العرب إلى الداخل، والمطالبة بحقوق المساواة في الانتخاب وتمثيل في الكنيست، وحيث إن الأحزاب العربية تمثل ثالث أكبر حزب، وجودهم في المشهد السياسي الإسرائيلي أربك حسابات دولة الاحتلال وساهم في تعطيل مشاريع كبيرة، ومع وجود 3 ملايين عربي يسكنون الضفة، يصبح ثقلًا انتخابيًّا كبيرًا يحتل العرب بموجبه المركز الأول داخل دولة الاحتلال، بما يعني تغير نموذج الصراع بشكل كامل.

ورغم أن الضم لن يشمل السكان العرب، وعدم قناعتي بأن هذا ممكن، فإنها فكرة موجودة ولها أنصار وأتباع و مكن أن تنجح على غرار نجاح الأحزاب العربية في الداخل المحتل عام 1948م، في الوقت الذي يقف به كل أطراف الانقسام الأساسية، والمتمثلة بفريقي المفاوضات مع مقاومة سلمية، وفريق المقاومة المسلحة موقفًا رافضًا، الساعين لتحقيق المصالحة والاتفاق على برنامج إدارة المرحلة القادمة، في خطوة هي الأولى بعمر الصراع الفلسطيني الصهيوني، لا يمكن التكهن بشكل الإدارة القادمة، وهل ستكون سلمية أم مسلحة أم هل ستجمع كليهما، لا يمكن الجزم بأن الاتفاق على برنامج موحد ممكن بين قطبين ينتهج كل منهما نهجًا يخالف الآخر، وعلى الرغم من أن ذلك حدث في دولة الكيان الإسرائيلي العدول الأول للفلسطينيين، ورغم أن الوضع الفلسطيني يتطلب ذلك، وربما هو المطلب الأساسي لتحقيق إنجازات كبيرة في مواجهة المحتل الإسرائيلي، فإن الواقع لا يبشر بخير، والطريق طويل، والمنتفعون من الانقسام أكثر من المنتفعين من الوحدة، حتى وإن كان ذلك على حساب ضياع وطن.

الوحدة والاتفاق على برنامج لإدارة الصراع الإسلامي العربي الفلسطيني ضد دولة الاحتلال الصهيونية صمام أمان لكي لا تكون فلسطين الأندلس الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد