أن يكون المرء فلسطينيًّا لا يعني أنها جنسية وفقط، أن يكون المرء فلسطينيًّا يعني انه يتحمل مسؤولية أمة، فلطالما تحملتنا فلسطين وتحملت حماقاتنا، فلسطين تتضامن مع قضيتنا، فكم كنا أغبياء في فهم القضية وسلمنا بأنه يجب الوقوف بجانب فلسطين والفلسطينيين، إنه قصور الفهم وهو حالة صحية عند العرب بعد 48، حان الوقت لرد الحقوق لأصحابها ولو بالتفكير، وذلك أضعف الإيمان.

أطبقت المشاريع الصهيونية على المنطقة العربية، ومضت فيها برسم الحدود والتفكيك والتقسيم، كل أعطي دولة يلهو بها تشبع رغباته الصبيانية ويريحنا من بكائه المزعج، إلا فلسطين فقد كانت مستميتة في الدفاع عن القضية العربية، فقد تشبثت بالكيان الصهيوني وأثقلته معيقة بذلك خطاه، فذلك ما قدرت عليه، بإمكانياتها الضعيفة ولو قدرت على ما هو أكثر لما تأخرت.

إن خطوط التماس مع العدو بعد اتفاقات السلام هي فلسطين وشعبها، فهي من استوطن اليهود أراضيها، هي من تقدم أولادها قرابين استشهادية، هي من تحملت مسؤولية الأقصى المبارك، هي من تحملت نجس أقدام صهيونية على أراضيها وحدها، فأي تضحية هذه؟ وأي قوة هذه؟، الصهاينة حتى قبل 1948م، حققوا السبق على الفلسطينيين عسكريًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيًّا، وبالمنظومة العسكرية المتطورة، وبالحلف العتيد مع أمريكا، لكن مع ذلك ما زالوا محاصرين من الفلسطينيين.

بعد غلق المسجد الأقصى في وجه المصلين، هبت مسيرات في مختلف المناطق الشرق أوسطية تؤيد المصليين، وتصيح بملء فيها بأنها مع القضية وأنها تفديها بالروح وبالدم، استراتيجيًا لم أسمع بأن الصراخ من ضمن آليات تحقيق النصر، فأي فائدة ترجى عندما أجوب شارعًا في الأردن أو مصر أو تركيا منددًا بإسرائيل وتجاوزاتها، لنعذر الشعوب ونقول إنه مغلوب على أمره، لكن اكتفت منظمات إقليمية وبعض الدول بالتنديد والشجب واستصدار البيانات وفقط.

يعتقد العرب الآن أن التعامل مع القضية ليس من الأولويات، وإنما نتاج الترف والبذخ العقلي، فالقضية لم تعد شأنًا عربيًا وحدويًا، بل أصبحت شأنًا داخليًا فلسطينيًا، للفلسطينيين وحدهم الحق في تقرير مصيرها، لو توقف العرب عند هذا الحد لكان أحسن، بل تجاوز نبوغهم ذلك ليصلوا إلى المقاومة وتصفيتها، بطبيعة الحال هذا التفكير العربي الممنهج مستورد، لأنني أستبعد أي منهجية وأي استقلالية في التفكير العربي خاصة في نقطتي القضية والنفط.

تعتبر القدس إرثًا عقائديًا لكل مسلم فوق الأرض، وذلك بعد الإسراء والمعراج ولما في ذلك دلالة بأن القدس لكل المسلمين، هذا المنطق يبطل أطروحة ما تغنى به البعض بان الحرم المقدسي شأن داخلي، لم ينقص سوى أن يقال بأنه شأن إسرائيلي داخلي، أصبح الأمر يأخذ سياقًا آخر بالانحسار حول القضية وتضييق طيفها.

مناورات إسرائيل الأخيرة في المسجد الأقصى روتينية إذا ما قورنت بسياساتها الاحتلالية في فلسطين، لكنها تكتسي أهمية خاصة، وكأن إسرائيل تتأكد من خروج الأقصى من أسس الفكر العربي، إذ أثبتت الأحداث أنه تم بالفعل جعل الأقصى شأنًا داخليًا لا يعني العرب، وهو عكس ما أسست له معجزة الإسراء والمعراج، وهذا نوع من أنواع التصفية الإسرائيلية للقضية.

إن طريقة إدراك العرب للصراع ووفهمهم له تعرف الكثير من القصور، فإحساسهم بأنهم دعموا القضية ووقفوا بجانبها منذ عقود، أمر يدعو للغرابة، فمن يتحمل الصهاينة الآن هم الفلسطينيين، فالعرب يعادون والفلسطينيون يدفعون الضريبة، ولا شك أنه من المفارقات العجيبة بل والطريفة، أن تقام في عدة دول عربية وإسلامية مناورات استعراضية للجيوش والصواريخ الباليستية، هذه الإمكانيات المعروضة لا تلبث أن تعود للمخازن بعد أن حققت نصرها المؤزر إعلاميًا، وما يدعو للغرابة هو عدم توظيف هذه الاستعراضات في الصراع، فإما أنه ذكاء مفرط أو أنه غباء، فما دامت لا تستعمل هذه الإمكانيات في تحسين الوضع الاستراتيجي العربي والإسلامي فالتفسير الوحيد هو إما أن هذه الدول تعرف أن زمن الحروب التقليدية قد ولى وأصبحت المعركة اقتصادية عولماتية وبذلك فهي تضحك على الشعوب، إما أنها لا تزال تراوح مكانها في أزمان الحروب العربية الإسرائيلية وهذا هو الغباء، فلم ينتصروا لا استراتيجيًا ولا عسكريًا، وإنما نصر على الشاشة أمام الشعوب، ونقصد هنا كل الدول التي تتبنى القضية دون استثناء.

نعود لهدف المقال وهو إرجاع المصطلحات لمواضعها، فلم تكن يومًا فلسطين ثقلًا على الأمة، ولم تكن مسؤولية أي طرف، فهي من تكابر وتحاصر إسرائيل، وهي من تتكفل بالأقصى الذي هو إرث إسلامي وليس فلسطينيًّا فقط، ولا يقل أهمية عن البقاع المقدسة في الحجاز، وهنا يمكن أن نقول بان دور فلسطين في القضية العربية دور ريادي لا يضاهيه دور، ولو تتمكن إسرائيل من فلسطين فعلى الأمة السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد