في سبيل (تحرير) المفاهيم الخاصة بقضية فلسطين يجب علينا أولاً (تعيين) أو (تحديد) المخاطبين بالقضية، أي من هم (المسئولون) عن قضية فلسطين؟ أو بعبارة أخرى فلسطين في عنق من؟

 

وجواب هذا التساؤل أن فلسطين هي قضية (متعددة) المسئولية. فالأصل فى المواجهة المماثلة، وكما قيل: لا يفل الحديد إلا الحديد، فالفكرة لا تواجه إلا بالفكرة، والعقيدة لا تقابل إلا بالعقيدة. فإن قالوا قالت التوراة.. قلنا لهم قال القرآن، وإن قالوا لنا الهيكل.. قلنا لهم الأقصى، وإن قالوا لنا عبرية.. قلنا لهم عربية، وإذا قالوا يهودية قلنا لهم إسلامية، وهكذا.

 

ونكتفي هنا بالإشارة إلى ثلاث مسئوليات فقط! المسئولية العربية والإسلامية والإنسانية عن فلسطين أرضًا وشعبًا.

 

(1) المسئولية العربية:
إذا كانت عروبة فلسطين من الأمور المتواترة تاريخيًّا؛ فقبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف عام كانت أولى الهجرات العربية (الكنعانية) إلى أرض فلسطين، وأنشأ هؤلاء الكنعانيون مدينة (أورسالم). ثم شهدت تلك المنطقة عام 2500 ق.م نزوح بعض القبائل القادمة من جزر البحر المتوسط، تسمى قبائل (فلستين)، وعُرِفوا بسكان السواحل أو (بالستين). واختلط هؤلاء المهاجرون الجدد بالكنعانيين، لكن غلب الدم الكنعاني على هذا الشعب، وغلب اسم (بالستين) على المكان. وتؤكد أعمال التنقيب البريطانية التي تمّت في تلك المنطقة، عام 1961م، أنّ الوجود الكنعاني اليبوسي بها، وبالقدس تحديدًا، يعود إلى ثلاثة آلاف عام.

 

بل و(تنص) التوراة – التي تستمد الصهيونية منها أباطيل الحق اليهودي في فلسطين- على (أسبقية) الوجود العربي فيها، من قبل حتى هجرة الخليل إبراهيم عليه السلام إليها، حيث جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر الفقرات (5-7) ” وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ”. ونحن إذ نورد هذا النص التوراتي فإنه من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:26].

 

إذن فالسكان المحليون أو الأصليون هم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. يقول د.عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008م) في موسوعته اليهود واليهودية والصهيونية عن الكنعانيين: “وتبعًا لجدول أنساب سفر التكوين، فإن الكنعانيين هم نسل كنعان بن حام بن نوح. وقد صُنِّفوا في العهد القديم باعتبارهم من الحاميين مع أنهم من الساميين ولغتهم سامية، وذلك ربما لتبرير الحروب التي نشبت بينهم وبين العبرانيين. لكن الكنعانيين، في الواقع، قبائل سامية نزحت منذ زمن بعيد من صحراء شبه الجزيرة العربية أو الصحراء السورية، وربما يكون قد تم ذلك في النصف الأول من الألف الثالث في شكل هجرات مكثفة”.

 

(2) المسئولية الإسلامية:
تقع قضية فلسطين من الدين الإسلامي موضع (القلب) منذ أن ارتبطت بـ (قبلة) المسلمين في رحلتي الإسراء والمعراج، ومن قبلها كانت هي (القبلة) الأولى للمسلمين. فالكعبة المشرفة في مكة المكرمة هي (قبلة) المسلمين، والمسجد الأقصى في فلسطين المباركة هو (قلب) المسلمين! فإسلامية القضية تجعل من ورائها المسلمين عربًا وعجمًا. فالمسلمون المقيمون في أمريكا وأوروبا وغيرهما يتحملون أيضًا المسئولية تجاه هذه القضية.

 

وصف القرآن الكريم أرض فلسطين بالأرض المقدسة في قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]. قال الإمام محمد أبو زهرة (1315-1394هـ = 1898 – 1974م) في زهرة التفاسير: “(كَتَبَ اللَّهُ لَكمْ) وهنا نجد المفعول غير مذكور، إلا أن المحذوف قد وجد ما يدل عليه، والمعنى كتب لكم أن تدخلوها، أي قدر لكم أن تدخلوها، وفرض عليكم دخولها لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وأعوانه، وقد تعدى فعل كتب باللام، ولم يتعد بعلى للإشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لأجلهم، ولحفظهم، وللإشارة إلى أنه واقع لمنع ضياعهم”.

 

ووصفها أيضاً القرآن بالبركة في عدة آيات منها قوله تعالى عن الخليل: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:71].

 

هذه المسئولية هي التي دفعت السلطان عبد الحميد الثاني ( 1258-1335هـ =1842-1918م) إلى رفض (عروض) ثيودور هرتزل (1860- 1904م) مؤسس الصهيونية المعاصرة بإرسال رسالة إلى هرتزل بواسطة (نيولنسكي) رئيس تحرير (بريد الشرق) وكان صديقًا للاثنين. وجاء في هذه الرسالة: (انصح صديقك هرتزل، أن لا يتخذ خطوات جديدة حول هذا الموضوع، لأني لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة، لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي. وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم؛ فليحتفظ اليهود بملايينهم. إذا مُزقت دولتي، من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولاً في جثتنا ولكن لا أوافق على تشريح جثتي وأنا على قيد الحياة) .

 

(3) المسئولية الإنسانية:
شهد النبي صلى الله عليه وسلم حلفًا (إنسانيًّا) يدعى بحلف الفضول – سموه بذلك لأنهم قالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر- قبل بعثته بالنبوة وهو ما يزال في سن الخامسة عشر. حيث قد اتفقت قريش- وهي على كفرها- وتحالفت بالله ليكونُنّ يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُرد إليه حقه! وأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف بعد نبوته وقال عنه: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”.

 

وقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – ودخلت معهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب- للحصار الشامل (اقتصادي واجتماعي وسياسي) من قبل المشركين في السنة السابعة من النبوة قبل الهجرة واستمر هذا الحصار طيلة ثلاث سنوات كاملة، حتى وصل الحال بالمسلمين أن اضطروا إلى أكل ورق الشجر من الجوع! وكتب المشركون بنود هذه المعاهدة الظالمة في صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة! ليكسبوها قدسية ومنعة من النقض! وقد نُقضت هذه المعاهدة وفُك الحصار عن المسلمين بسبب خمسة من المشركين! عملوا على نقضها انطلاقًا من مسئوليتهم الإنسانية بعد تدهور أحوال المسلمين خلال الحصار. فما أشبه الليلة بالبارحة! وما أشبه حصار المسلمين في شعب أبي طالب بحصار قطاع غزة، والذي يُفرض على القطاع من الحين إلى الآخر.

 

ولنا في العصر الحاضر العديد من النماذج الغربية غير الإسلامية (أسوة) في هذه المسئولية! غير أننا سنكتفي بذكر نموذج (فردي) غير مؤسسي غربي غير إسلامي ألا وهو الطبيب النرويجي “مادس فريدريك جيلبرت” (المولود عام 1947م)، ويشغل منصب رئيس قسم طب الطوارئ بمستشفى جامعة شمال النرويج. والذي اعتاد الذهاب إلى قطاع غزة لتقديم المساعدة الإنسانية منذ عام 2008م حتى إنه في عمليات جيش الكيان الصهيوني “الجرف الصامد” استطاع الدخول إلى قطاع غزة عبر معبر “بيت حانون” وذلك بعد أن منعته السلطات المصرية من دخول القطاع عبر معبر رفح!

 

وعلى الرغم من الصعوبات والمخاطر التي يتعرض لها هذا الطبيب في كل مرة يذهب فيها إلى قطاع غزة فإنه يقول: “على الناس في غزة أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم، هناك العديد والعديد معهم على الرغم من أننا لسنا هناك الآن لكننا معهم، وعليهم أن لا يستسلموا، فلا تستسلموا فإن شعوب العالم الحر يتأملون في صبركم ويستمدون من قوتكم فإن استسلمتم فإن الشعوب من بعدها سوف تستسلم”. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

يتبع،

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة