“لا توجد دولة اسمها إسرائيل، ولكن يوجد كيان اسمه الكيان الصهيوني”. بهذه العبارة نستطيع أن نوجز الصراع الإسلامي العربي ضد الاحتلال الصهيوني المجرم على أرض فلسطين المباركة. فنكون نحن أو يكونون هم! إما دولة (فلسطين) أو دولة (الكيان الصهيوني). نعم، أقول إن الصراع على أرض فلسطين هو صراع (صفري)، فلسطين الإسلامية العربية أو إسرائيل اليهودية العبرية.

 

أما الحلول التي (تدعي) الوسطية عن جهل أو ضعف فلا مكان لها في أبجديات الصراع. وقد نادى ذات يوم الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (1942-2011م) بضرورة إقامة دولة (إسراطين)! كحل – وسطي!- للصراع مع دولة الكيان الصهيوني، وذلك في كتابه (إسراطين الكتاب الأبيض)! فاقتسم مع المحتل الغاصب كل شيء حتى الاسم!

 

فالمؤسسة الصهيوينة الرسمية لا تمل من ترديد عبارة (الوعد الإلهي) بأرض فلسطين لليهود. والحق أنه إذا كان ثمة وعدًا لليهود بأرض فلسطين فهو وعد (إنجليزي) (أمريكي) وليس (إلهيًّا)! فوعد بلفور الشهير الذي أصدره آرثر جيمس بلفور (1848 -1930م) وزير الخارجية الريطاني آنذاك بتاريخ 2 نوفمبر 1917م إلى ليونيل وولتر دي روتشيلد (1868 – 1937م) وجاء فيه: (عزيزي اللورد روتشيلد، يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًّا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر”. وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا التصريح. المخلص- آرثر جيمس بلفور).

 

فحتى نهاية الحرب العالمية الأولى فشلت الصهيونية في الحصول على أية مكاسب على أرض فلسطين، وقد سبق أن ذكرنا رد السلطان عبد الحميد الثاني على ثيودور هرتزل. ومن قبلها تصدى الفلاحون الفلسطنيون للمستوطنين الصهاينة سنة 1886م، وحدث بينهما مصادمات عنيفة. غير أن الحركة الصهيونية حصلت على دعم ووعد (إنجليزي) بمساعدتها في احتلال أرض فلسطين، وأصدرت وعد بلفور المذكور سابقًا، ورغم أنها تخلت عنه بعد ذلك نتيجة للثورة الفلسطينية الكبرى (1936- 1939م) في مايو 1939م وأصدرت ما يُعرف بـ (الكتاب الأبيض) وأكدت فيه أن بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية في فلسطين!

 

ولكن، بعد قيام الحرب العالمية الثانية والتي أدت إلى تغيير ملامح النسق الدولي، ضعفت الإمبراطورية الإنجليزية وصعدت الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب دولي جديد. واتجهت الصهيونية نحو الولايات المتحدة الأمريكية والتي منحتها وعدًا جديدًا في مؤتمر (بولتيمور) مايو 1942م بإقامة دولة لليهود في فلسطين، بل وسعت إلى الضغط على بريطانيا لسحب كتابها الأبيض وأن تعود إلى رشدها! وبالفعل استطاعت ذلك في البيان الذي أصدره وزير خارجيتها أرنست بيفن – آنذاك- في 14 نوفمبر 1945م، بل ودعا إلى تشكيل لجنة أنجلو-أمريكية للتحقيق في قضية فلسطين، أو إن شئت قل في تحقيق الوعدين (بلفور) الإنجليزي و(بولتيمور) الأمريكي!

 

والعلاقة الصهيو-أمريكية علاقة لها أبعاد عدة وارتباطات متشعبة، يقول عنها د. عبد الوهاب المسيري (1938 – 2008م): “يجب أن نتذكر أن المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني، وأن أسطورة الاستيطان الغربية أسطورة عبرانية. فالولايات المتحدة كان يُنظر إليها باعتبارها صهيون الجديدة (والمستوطنون البيوريتان هم العبرانيون)، أما السكان المحليون أو الأصليون فهم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. بل قُدِّم اقتراح بأن تكون العبرية لغة البلد الجديد بدلاً من الألمانية أو الإنجليزية. وهذا جزء من ميراث الإصلاح الديني في الغرب حيث زاد الاهتمام بالعهد القديم وحوادثه التاريخية. ومن المؤكد أن هذا خلق تعاطفًا كامنًا مع المهاجرين اليهود، وجعل الولايات المتحدة ذات جاذبية خاصة لهم”.

 

فدولة الكيان الصهيوني المسماة زورًا وبهتانًا بـ (دولة إسرائيل)، لا هي (دولة) ولا حتى تنتسب إلى (إسرائيل)! فلفظة الدولة تشير إلى عناصر ثلاثة: تجمع بشري، وإقليم، وسلطة سياسية، وقد تراكمت على هذه العناصر خصائص معنوية ثلاثة: التنظيم القانوني للسلطة، والسيادة، والتجانس القومي. (أشار بذلك د. عبد الفتاح ماضي).

 

فإقليم الدولة تم احتلاله بقوة السلاح عن طريق عصابات (الهاغاناه) والتي تعتبر (نواة) جيش الاحتلال الصهيوني الحالي. وشعبه تم استجلابه من أوروبا في الأساس ثم من العالمين العربي والإسلامي و(إحلاله) محل المواطنيين الأصليين عن طريق طردهم وقتلهم. وما المجازر الصهيونية التي فعلتها عصابات (الهاغاناه) عنا ببعيد.

 

أيضًا لا يصح نسبة اليهود الحاليين على أرض فلسطين لنبي الله يعقوب – عليه السلام- الملقب بـ (إسرائيل) حيث إن هؤلاء تم استجلابهم من أنحاء أوروبا دون أن يتسموا بنقاء السلالة التي يزعمونها! بل والثابت تاريخيًّا أن أعداد كبيرة منهم من شعب دولة الخزر والذين تهوَّدوا في القرن الثامن الميلادي، وكان ذلك الشعب من قبل وثنيًّا، وهو شعب تركي الأصل كان يقطن منطقة آسيا الوسطى. ودولة (الخزر) كانت تقع في المنطقة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وتشغل منطقة شمال أذربيجان وأرمينية وأوكرانية وجميع منطقة جنوب آسيا إلى حدود موسكو عاصمة روسيا.

 

فإذا كان هناك وعد (إلهي) بأرض فلسطين فهو لأصحابها الذي يقول كتابهم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:55].

 

ويقول رسولهم صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قالوا يا رسول الله وأين هم قال بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”. (شطر الحديث الأول صحيح بل متواتر، والشطر الآخر في إسناده ضعف).

 

وقال: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”. (رواه مسلم في صحيحه برقم 2922). والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد