توجهت أعين العالم إلى اجتماع الأمم المتحدة لسماع خطابات قادة العالم، وكان هنالك تركيزٌ كبير على الدول العربية، وخصوصًا خطاب أمير قطر بعد الحصار الذي فُرض على دولته من قِبل الخليج العربي، ولكن كانت المفاجأة من رئيس دولة مصر «عبد الفتاح السيسي»، فبعد لقائه العلني مع «نتنياهو» قام بإلقاء خطاب أمام العالم كله يحث الفلسطينيين على التعايش مع إسرائيل، والحفاظ على أمن المواطن الإسرائيلي.

قام رئيس أكبر دولة عربية، في اجتماع للأمم المتحدة، بوصف السلام بين إسرائيل وفلسطين بخطوة رائعة، هذا العسكري الذي أصبح رئيس دولة مصر، التي حاربت الاحتلال عدة مرات، وآخرها حرب أكتوبر؛ حيث كان عدد ضحايا الحرب حوالي «20.000» ما بين أسيرٍ، وقتيل. تناسى دماء الجنود المصريين عندما وصف السلام مع إسرائيل بتجربة عظيمة، أراد «السيسي» بخروجه عن نص خطابه ليبيّن للعالم كله أن مصر أصبحت تحت إمرة إسرائيل، وأن «السيسي» ليس إلا عبدًا ينفذ ما يُؤمر به.

أتى خطاب «السيسي» المطالب بإحلال السلام مع إسرائيل بعد أيامٍ قليلة من قيام ملك البحرين باستنكار المقاطعة العربية لإسرائيل، وطلب من مواطني البحرين زيارة إسرائيل، وأتت تصريحات ملك البحرين وكأنها تبرئ دولة إسرائيل، كأن المقاطعة العربية تأتي من العدم، ولا يجب التعامل مع إسرائيل إلا باعتبارها دولة شقيقة، ولا يوجد أي سبب يبرر كراهية العرب لدولة الاحتلال إسرائيل.

إن قيام ملك البحرين بتحسين علاقاته مع إسرائيل لم يكن خيارًا فرديًا؛ بل تم إجباره على القيام بتلك التصريحات لقياس ردة فعل الشعب البحريني، هذه الخطوة تم الموافقة عليها من قِبل السعودية لتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية منسية، وتغير هوية الدولة الإسرائيلة من العدو المحتل إلى الدولة الصديقة، والسماح بوجود علاقة متينة ما بين الدول العربية والدولة الإسرائيلية، وأولها اعتراف جميع العرب بأحقية قيام دولة إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.

ما نشهده الآن هو إعادة برمجة القضية الفلسطينية والتقليل من أهميتها؛ وتبدأ إعادة هيكلة الصراع الإسرائيلي العربي من خلال تجاهل التاريخ الطويل من الحروب والجرائم التي اُرتكبت من قِبل الدولة الصهيونية، والتغافل على أن بدايتها أتت بوصفها دولة استعمارية، وقامت بعملية تطهير عرقي ضد الشعب الفلسطيني لقيام دولة الاحتلال.

بدأت عملية التطبيع بالنجاح، فلم تعد تحقيق الذات الفلسطينية أهمية العرب الأولى، بل تحولت إلى أسطوانة ثانوية، أصابت البعض بالملل من تكرارها، فكل جيلٍ يأتي يطمس تلك القضية في آخر أفكاره، حتى إنها لم تعد المشكلة الرئيسية لدى أشد العروبيين، فكل شخص يرى بأنها مشكلة عبثية، لا حل لها في هذا الزمن؛ مما يساعد مشروع التحالف العربي الإسرائيلي القادم.

إن مستقبل العروبة في خطر، فلم تبقَ دولة صامدة ضد إسرائيل، والدول القادرة على مقاومتها مثل مصر والسعودية قامت برمي حِمل القضية الفلسطينية على شعبٍ تحت الحصار من كل الجهات، وبعد كل ما تحمله الشعب الفلسطيني من معاناة للحفاظ على أمل العودة، تجرأت الدول العربية بطلب من الدولة المحتلة بأن تقبل السلام مع المحتل، وأن يحضن الشعب الفلسطيني جلاده، وينسى الجرح الدائم الذي يزداد عمقًا بعدد كل نفسٍ صهيوني فوق أرضهم.

لقد أهدينا أغلى ما يوجد على الأرض، فكانت القدس لنا، والجليل لنا، ورام الله لنا، ويافا لنا، كانت فلسطين لنا، تلك الشوارع الجميلة في حواري القدس عندما تسمع صوت الأذان ممزوجًا بأجراس الكنيسة، وعندما كان الموج يركض من أقصى البحار حتى يرتطم بحجارة يافا ليبين لنا مدى اشتياقه، وما أجمل رؤية المسك يتفاوح من دكاكين عطاري رام الله، تلك هي الذكريات التي نسيناها نحن العرب، ولكنها بقيت في ذاكرة الفلسطينيين، ومهما استمرت المعاناة فلن تكسروا أعماقنا ولن تهزموا أشواقنا، نحن القضاء المبرم حتى نستعيد ما لنا فلا وجود لسلام، فهي حربٌ أبدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد