لو نظرنا نظرة متعمقة بخارطة فلسطين، خاصة على توزيع المناطق الجغرافية التي يقطن بها الفلسطينيون والمناطق التي يقطن بها الإسرائيليون، ولو تحدثنا عن أعداد الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة والذي فاق عددهم 5 مليون فلسطيني، وكذلك الأمر على تعداد سكان إسرائيل والذي يتماثل مع نفس تعداد الفلسطينيين، ولو نظرنا إلى أعداد سكان 48 من العرب سنجد أن عددهم بلغ اليوم 2 مليون.

هذه المعلومات والتوزيعات الجغرافية والطبوغرافية للسكان ليست ثانوية، بل ستكون هامة جدًا خلال السنوات القليلة القادمة، إن التشابك الجغرافي والاختلاط والاحتكاك السكاني، سيلعب دورًا مهمًا وبارزًا في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سواء رفضت حركة حماس والمطالبة بتحرير كل فلسطين أو حتى رفضت إسرائيل والمطالبة بيهودية الدولة، إن بيانات الأرض الواقع تلعب دورًا مهمًا ومركزيًا في وجهة السياسة المقبلة.

هذا الطابع الطبوغرافي والنمو السكاني الفلسطيني سيفرض على كل الأطراف حلًا واحدًا وهو دولة تجمع كل الطوائف الدينية سواء الفلسطيني أو الإسرائيلي، ولنا أن نستحضر كلمة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي عندما قال في كتابه الأبيض بأن حل الصراع الفلسطيني هو من خلال إقامة دولة «إسراطين»، لحل المشكلة الإسرائيلية – الفلسطينية بدمج الدولتين في دولة واحدة ديمقراطية من أجل التعايش السلمي.

لقد سخر العديد من صناع القرار والسياسيين من هذا الطرح وقالوا أنه بعيد كل البعد عن الواقع، ولا يمكن تحقيقه، ولكن لو رجعنا بالتاريخ إلى الوراء قبل نكبة 48، ونظرنا إلى مكون الشعب الفلسطيني وحسب روايات الكثير من الكتاب وشهادات المواطنين الفلسطينيين، فإن المجتمع الفلسطيني كان يضم الكثير من اليهود الذين يقطنون في فلسطين، وكان هناك تجانس واختلاط كبير بينهم وبين الفلسطينيين العرب، إلى أن جاء وعد بلفور المشؤوم.

ولنا أن نضرب مثلًا حيًا في العالم لدولة جنوب أفريقيا، نعم لقد عانت الدولة من النزاع العرقي والعنصري بين الأقلية البيضاء والأكثرية السوداء وشغل حيزًا كبيرًا من تاريخ البلاد وسياساته، وقد بدأ الحزب الوطني الجنوب أفريقي، بإدخال سياسة الفصل العنصري بعد فوزه بالانتخابات العامة لعام 1948 وهو الحزب نفسه الذي بدأ تفكيك هذه السياسة عام 1990 بعد صراع طويل مع الأغلبية السوداء ومجموعات مناهضة العنصرية من البيض والهنود.

اقتصادها هو الأكبر والأكثر تطورًا بين كل الدول الأفريقية، والبنية التحتية الحديثة موجودة في كل أنحاء البلاد تقريبًا، ويوجد في جنوب أفريقيا أكبر عدد سكان من ذوي الأصول الأوروبية، وأكبر تجمع سكاني هندي خارج آسيا، وأكبر مجتمع ملون «ذوي البشرة السوداء»؛ مما يجعلها من أكثر الدول تنوعًا في السكان في القارة الأفريقية، ويتم تنظيم الانتخابات الحرة والنزيهة بشكل دوري؛ مما يجعل للبلاد قوة مؤثرة في المنطقة، بل واحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارًا في القارة الأفريقية.

ولنا أن نقرب الصورة لتكون أكثر وضوحًا ونوجه النظر إلى فلسطينيي الداخل أو كما يطلق عليهم عرب 48، فنجد أنهم يعيشون بشكل سلمي مع اليهود ويمارسون حياتهم الطبيعية وأيضًا يمارسون السياسة ولهم أحزاب سياسية، وأعضاء بالكنيست، ولهم دور كبير في تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية.

لقد عاش الفلسطينيين منذ أكثر من 72 عامًا مرارات الألم والصراع والنزاعات المسلحة والحروب بكافة أشكالها، ألا يجب أن ننظر من منظور آخر، فلو تم تطبيق جزء من فكرة الدولة الموحدة، وتنازلت إسرائيل عن فكرة يهودية الدولية « العنصرية» وتنازلت حركة حماس والحركات الإسلامية عن فكرة تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وقررت كل الأطراف الابتعاد عن الأعمال العسكرية، أليس من الممكن أن نعيش بأمن وسلام لكل الأطراف؟ وعلى المنظور البعيد أو القريب أليس بالإمكان أن يكون رئيس الدولة في حال الانتخابات فلسطيني؟

أعتقد وبخلاف الكثير من المفكرين وصناع القرار أن هذه الفكرة هي الحل الأمثل لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فالحلول العسكرية في هذا الوقت وحتى في الأفق البعيد غير ممكنة، ولا يمكن لنا أن نتخلص من سكان إسرائيل، ولا يمكن لإسرائيل أن تتخلص من الفلسطينيين، فتبقى الدولة الموحدة هو الحل الوحيد والأمثل والذي يخدم جميع الأطراف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد