عام بعد عام تتجدد ذكريات التشريد واللجوء، ويحيي اللاجئون الفلسطينيون الذكرى الأليمة بكل ألم وحسرة ومرارة، يزداد معها القهر والوجع على كل مفقود وعلى كل أرض مسلوبة، يستذكر فيها اللاجئ القرية والمدينة التي تهجّر منها قسرًا بفعل إرهاب العصابات الصهيونية وارتكابه المجازر المروعة.

تمر الذكرى لتزيد رصيدًا آخر من السنين، ليستمر الوجع بعدها وتتوالد النكبات، دون أن يظهر بالأفق الأمل بالرجوع أو التحرير أو حتى استنشاق عبير ليمون يافا وبرتقال حيفا أو إلقاء نظرة الوداع على سور عكا ومسجد الجزار.

النكبة هو المصطلح الذي يخص فلسطين أكثر من غيرها، إذ لا يكاد يذكر إلا ويدرك معه السامع قصص التهجير بالآلاف واستباحة الدماء بالمجازر والإبادة الجماعية، ومحاولة استبدال شعب بشعب على أرض لا صلة له بها، وإقامة كيان لقيط من شراذم الأمم، بعد أن تداعوا إلى فلسطين على مدار سنوات وعقود سبقت قيام الدولة اليهودية، بعد موجات الهجرة المتتالية من يهود العالم الى أرض فلسطين، تحت إشراف الحركة الصهيونية العالمية، التي تكفلت بإغراق فلسطين باليهود، وتكثفت فيها الهجرة بعد وعد بلفور المشؤوم إبان الاحتلال البريطاني وبتشجيع منهم، أدت بذلك إلى التغيير الديمغرافي على الأرض، لتتشكل بعد ذلك العصابات الصهيونية لتمارس المجازر والتهجير وصولا للنكبة وإعلان الدولة المزعومة عام 1948، ثم تحولت النكبة لنكسة واستولت على ما تبقى من فلسطين عام 1967.

ولا زالت فلسطين تتعرض للنكبات والطعنات يومًا بعد يوم وليس آخرها بأن يعترف بعض من قادة العالم الظالم بأحقية دولة الاحتلال بالأرض واعترافهم بالقدس الإسلامية عاصمة لدولة الاحتلال ظلمًا وعدوانًا واستخفافًا بمشاعر أصحاب الأرض كما هو الاستخفاف بكل قادة العرب.

وبينما يستذكر المنكوبون تلك الذكريات الأليمة في الخامس عشر من مايو (أيار) في كل عام، لَتَحتفل فيه دولة الاحتلال بيوم تأسيسها بنفس الأدوات والأساليب التي قامت بها وتأسست عليها من التهجير لمن تبقى صامدًا من أهل الأرض، وتكثيف سرقة الأراضي، وإعلانها بناء آلاف البؤر والوحدات الاستيطانية الجديدة، وتسريع استكمال تهويد مدينة القدس وسرقة الأماكن المقدسة ونسب التراث الفلسطيني لهم، لكن اليوم يحدث تحت سمع وبصر العالمين أجمع وغض الطرف من المؤسسات الدولية التي تنادي بالحقوق ورد المظالم دون أن تحرك ساكنًا في النصرة لأهل فلسطين واستعادتهم لحقوقهم المسلوبة.

لقد ساهم ممن تخاذل من العرب في تكريس النكبات المتتالية التي تعصف بالأمة اليوم، والتي بدأت يوم قبلت البلاد العربية أن تكون دولا متفرقة متناحرة تقاسمتها الدول العظمى، لتأكل خيراتها وتنهب مقدراتها، وتثير الفتن والقلاقل، إمعانا في إضعاف الدول العربية وتكريس الانفصال والانعزال لتتناحر ويبغي بعضها على بعض، بعد أن كانت دولة واحدة تحت سلطة واحدة بقانون واحد يرفرف عليها علم واحد.

تستمر النكبة بعد سبعين عامًا وهي إلى الاستمرار أكبر طالما بقي الحال العربي والفلسطيني متفرقًا متشرذمًا، تسوده الانقسامات حتى في ذات الوطن الواحد، وتدب فيه الخلافات التي تضعف الموقف الوطني والعربي، وتستفرد دولة الاحتلال بكل طرف بما يخدم مصالحها الاحتلالية وتوسيع دائرة الاستهداف للأرض حتى إعادة سيطرتها على ما تحرر من فلسطين.

بل فأي نكبة أكبر وأعظم من تلك القيادات والحكومات العربية التي تستقبل رؤساء دولة الاحتلال استقبال الفاتحين، ليتم التبشير بازدهار العلاقات التطبيعية، وإقامة المشاريع الاقتصادية والتبادل التجاري والثقافي، ليبحث المطبعون عن رصيد آخر من الحكم الجبري ليساهموا بإطالة سنوات النكبة العربية وإبقاء دولة الاحتلال جاثمة بين بلدانهم.

ليس عجيبًا أن تمر البلاد العربية بالنكبات وفترات من المحن والمصائب، فلا تخلو أي بلد من التربص بها والطمع فيها والعمل على إضعافها، لكن العجيب والذي يندى له الجبين أن تبقى فلسطين والبلاد العربية أسيرة لتلك المصائب والنكبات دون الوقوف على الأسباب ومعالجة المسببات، ودون الخروج من تلك المقدمات التي انتهت بها إلى النكبة الأولى، نبقى أسرى لإحياء الذكرى واستعادة الماضي الأليم وبالبكاء على الأطلال وسرد القصص والحكايا عن الأجداد، لنبقى في دائرة الشجب والاستنكار والتنديد على ما ضاع من فلسطين ونكتفي بتسيير المليونات وبرفع الأعلام الفلسطينية في مناطق التماس ونقاط المواجهة مخلفة المزيد من الضحايا الشهداء!

دون تقديم الحلول الوازنة والبحث عن الأدوات والوسائل التي تجبر دولة الاحتلال على تسليم الأرض وإعطاء الحقوق لأهلها وتطبيق القرارات الدولية، والانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 على الأقل في المنظور القريب.

إن القادة العرب مطالبون بالوقوف عند لحظات التاريخ ومعالجة السياسات العقيمة وإنهاء ارتباطهم بدولة الكيان، والعمل على تحرير أنفسهم من الاستعمار المعنوي والتبعية المهينة للشرق أو الغرب، والعودة للقرار العربي الموحد، وتفعيل التعاون المشترك الحقيقي ورص الصف الفلسطيني وإيجاد اللحمة والتحلق حول البرنامج الجامع وسد الثغور وحماية الظهور.

إن الخروج من تلك المعضلات والنكبات اليوم لهو أسهل بكثير إن وجدت العزائم الصادقة والإرادة الحقيقة، والتطبيق الفعلي للقرارات التي تساهم في لجم ودحر الاحتلال واستخدام الوسائل المساهمة في إجبار المحتل على تسليم الأرض وإنهاء الاحتلال، فإسرائيل اليوم قد تكون في أضعف حالاتها تجاه مقاومة أهل غزة، والوعي الفلسطيني أكبر بكثير مما مضى بتبني خيار المقاومة بعد تحقيق سياسة الردع العسكرية ولجم الاحتلال عن التغول واستباحة الدم الفلسطيني.

ومن حق الفلسطيني أن ينعم بدولة ذات سيادة كما تتنعم فيها البلاد الأخرى، ومن حقه كذلك أن يطالب بكامل حقوقه واستعادة الأراضي العربية في كل المحافل الدولية، إلى جانب ممارسة المقاومة بكافة أشكالها ومختلف أدواتها السلمية والشعبية والعسكرية، فهي مشروعة طالما بقي الاحتلال جاثما على أرض فلسطين، حتى دحر الاحتلال واستعادة الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد