في ظل الطعنات التي يُمنى بها الفلسطينيون

بينما نضحي نحن الفلسطينيين ونقدم أرواحنا، سواء بمشاركتنا المستمرة، وبكثافة في مسيرات العودة، وكسر الحصار رغم الأجواء القاسية، والبرد القارس، والأرض الموحلة، والسماء الممطرة، أو بالعمليات البطولية الفدائية الجريئة بالضفة الغربية، أو بالصولات والجولات والتصعيد ميدانيًا ما بين غزة وقوات جيش الاحتلال الصهيوني، وبينما هناك دول أصيلة عربية وإسلامية مثل (الكويت، وقطر، وتركيا، وإيران، ومصر… وغيرها) تتصدى لمشاريع إدانة حركة حماس سياسيًّا، فإن هناك من ينسف هذه التضحيات الجسام، والجهود المضنية بخياناته المتتالية بالسر والعلانية، سواء من فلسطين، أو من دول عربية شقيقة! فيغرسون في خاصرة الوطن 3 خناجر مسمومة، شديدة السُمّية.

أما الخنجر الأول: فهو خنجر فلسطيني يغرس بيدٍ فلسطينية.

 

خنجر يغرس في خاصرة الوطن بالخيانة لأرواح الشهداء، الذين يصفهم رئيس السلطة «عباس» بـ«القتلة»! وخيانة للمقدسات ببيعها سرًا للمحتل الإسرائيلي، وخيانة للثوابت بالتفريط فيها، وطعنات بظهر المواطن الصابر المرابط المقاوم باعتقاله، وقمعه، ومطاردته، وحصاره والحديث في هذا يطول.

ومؤخرًا؛ خيانة بشعة بالتجرؤ على الدستور الفلسطيني، وهدم الشرعية الفلسطينية، واستهداف القانون الأساسي؛ حيث أقدم رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» على حل المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب، من كافة أطياف الشعب الفلسطيني، بعد أن عطّله ما يزيد عن 12 سنة، وقد أعلن حل المجلس من خلال ما يُسمى بالمحكمة الدستورية التي أنشأها عام 2016، بغرض شرعنة قراراته التعسفية الجائرة، بحق القضية وأبناء الوطن.

ولم يكتفِ «عباس» بهذا فحسب، بل أمر أجهزته الأمنية باعتقال رمز الشرعية الفلسطينية، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني د.«عزيز دويك» وعدد من النواب الفلسطينيين، في حين أن هذه الأجهزة الأمنية التي تقمع الحرائر، والمظاهرات السلمية اختفت عن الأنظار تمامًا بينما كانت قوات جيش الاحتلال تستبيح مدن وقرى الضفة المحتلة، وتقتحم بيوت المواطنين، وتقمعهم وتأسرهم، بل إن هذه الأجهزة الأمنية لم تحمِ مؤسساتها الرسمية، حينما اقتحمتها قوات العدو، وعاثوا فيها الخراب، واكتفت أجهزة الفخر الوطنية الفلسطينية بالنظر من خلف الثقوب والستائر!

اقتحامات العدو، وتوغلها في مدن الضفة وقراها، واقتحامها للمؤسسات الفلسطينية الرسمية، وبيوت المواطنين؛ كانت بمثابة رسالة إسرائيلية شديدة اللهجة موجهة للسلطة الفلسطينية، بأنه «لا سيادة، ولا حكم، ولا وجود لكم، نقتحم ونستبيح ونعيث الخراب والفساد متى شئنا، وحيث شئنا، وكما يحلو لنا، أما أنتم فمهمتكم الوحيدة أن تكونوا عبيدًا لنا، تعملوا لراحتنا، ومن أجل أمننا، ولا نريد أن نسمع لكم حسًا».

فيما لا تزال السلطة الفلسطينية تسارع لخدمة الاحتلال، وتقدم العون والمساعدة الأمنية والاستراتيجية، كما هو منوط بها وزيادة؛ لقاء بضعة امتيازات VIP لقادة السلطة، وحفنة مصالح فتحاوية سلطوية على حساب الوطن والثوابت والشعب، الذي منه «سهى جبارة» التي خاضت معركة الأمعاء الخاوية، في سجون السلطة الوطنية الفلسطينية، معتقلة بتهمة دعم الفقراء، وأسر الشهداء ماديًّا.

لا يتعدى قرار «عباس» بحل المجلس التشريعي في كونه قرارًا سياسيًّا إقصائيًّا بامتياز، هدفه الانقلاب على المؤسسات الوطنية الفلسطينية الشرعية، وهدم النظام السياسي الفلسطيني، وتدمير التعددية السياسية للاستفراد بالقرار الفلسطيني؛ إذ إن القانون الأساسي الفلسطيني لم يعطِ الصلاحية لأي سلطة بحل المجلس التشريعي الفلسطيني، بما فيها الرئيس!

 

أما الخنجر الثاني: فهو التطبيع العربي مع كيان الاحتلال المغتصب الزائل

فالتطبيع أبشع ما تتعرض له القضية الفلسطينية في كافة محطاتها منذ الأزل، وكأني بـ«طرفة بن العبد» الذي تعرض للظلم من أهله بعد موت أبيه، وهو طفل حين قال:  وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة … على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّد

وأقول «وغدر ذوي القربى أشد مضاضة» كيف لا؟! وأنت حينما تتعشم، وتأمل بأحدهم أن يكون منقذك؛ فيغرس في صدرك خنجرًا مسمومًا تتعذب من ألمه، حتى تموت.

وكل الخيانة مشينة وقاسية لكن أقصاها، أن يخونك من تتوقع منه العون والنجدة؛ فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والمسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وبتنا في الآونة الأخيرة نلاحظ تزايدًا واضحًا في نهج التطبيع الخياني، وبشكل علني وصريح سواء من دولة سلطنة عُمان الشقيقة، ممثلة بملكها «قابوس»، ومملكة البحرين، والإمارات، والسعودية… وغيرهم، من دول وطننا العربي، الذي كنا ولا زلنا ننتظر منهم المساندة والمؤازرة في صراعنا مع المغتصِب الإسرائيلي، الذي يغتصب مسرى نبينا، ومقدساتنا، ووطننا المبارك.

فتارة نتفاجأ بتطبيع سياسي، وتارة بتطبيع ثقافي، وتارة رياضي واقتصادي، أَما آن لهذه الخيانة أن تتوقف؟!

نرفض وندين ونستنكر بأشد العبارات، ما يجري من خيانة وتطبيع عربي، مع من يقتل أطفالنا، ويغتصب مقدساتنا، وندعو الأشقاء العرب والمسلمين بأن يقفوا معنا وقفة أبناء الدين الواحد، وأتباع النبي الواحد، وعباد الرب الواحد؛ لكي ندحر هذا الاحتلال المجرم، ونطرده من وطننا العربي.

ننصح حكام العرب بأن لا يراهنوا على كيان الاحتلال الزائل، فإن سنوات احتلاله باتت معدودة، وأمنه أصبح على المحك، وليس جولة معركة «بالمرصاد» الأخيرة عنا ببعيد، ويلاحظ الجميع مدى التوتر والتخبط والسخط الذي يعيشه قادة الكيان، خصوصًا بعد استقالة وزرائه، وانهيار حكومته، جراء هزيمتهم النكراء في غزة.

ومن المسلّمات بما لا يدع مجالًا للشك بأن الشرق الأوسط لن يشهد استقرارًا ولا هدوءًا ما لم تشهده فلسطين وأهلها؛ وذلك لا يكون إلا بدحر الاحتلال من وطننا العربي، وتنكيس رايته العنصرية الإجرامية، التي شعارها «من الفرات إلى النيل» والتي تثبت ما أسلفته، حيث إن مخططهم هو السيطرة واحتلال الوطن العربي بالكامل؛ وهذا بالفعل ما يسعون إليه، وليس شرطًا أن يحتلوا العرب بقوة السلاح؛ فهناك طرق ومداخل أسهل بكثير دبلوماسيًّا، ومن خلال التطبيع الذي يجري حاليًّا.

 

أما الخنجر الثالث: فهو خنجر الاحتلال الصهيوني، وهذا الخنجر لا حاجة لنا بالحديث عنه؛ إذ إنه وكما أسلفت فإن سنواته باتت قليلة، ولكن قبل أن ننزعه، علينا أن نحذر خطورة الخنجرين السابقين.

خلاصة القول

إن شعبنا الفلسطيني الذي يواجه بصدره العاري، كل هذه المؤامرات والعقوبات، هو شعب يصنع المعجزات، وقادر على تركيع المحتل، وتحرير أرضه ومقدساته، ولن يركع مهما تعاظمت عليه المؤامرات، واشتدت عليه البلايا والمِحن، ومهما تكالب عليه الخونة والمتخاذلون والمنافقون، وصدق نبي الله محمد حين قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك، قيل أين هم يا رسول الله؟ قال في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس» أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد