تبنى مجلس النواب الأمريكي منذ أيام قليلة قرارًا بحل الدولتين في فلسطين المحتلة. وأحسب أن مصلحة الكيان الصهيوني في ذلك الحل أيضًا، ذلك أن حل الدولة الواحدة الذي لمح إليه عباس ذات مرة وعلى استحياء، والذي طالب به القذافي قبل ذلك حين طالب بدولة واحدة اسمها «إسراطين» – واتهم وقتها بالجنون – لن يكون في مصلحة الكيان الصهيوني.

ذلك أن حل الدولة الواحدة يهدد بقاء الكيان الصهيوني في المدى البعيد ويهدم حلم الدولة اليهودية الخالصة في المدى القريب. كما أن حل الدولة الواحدة يعني حوالي 7 ملايين يهودي في الأرض الواقعة من النهر إلى البحر مقابل 7 ملايين فلسطيني، منهم 3 ملايين في الضفة الغربية، ومليونان في قطاع غزة، وأقل قليلًا من المليونين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وبالتالي تكون دولة مزدوجة الهوية يتساوى فيها السكان العرب واليهود وإذا أخذنا في الاعتبار وجود 8 ملايين فلسطيني في المهجر موزعين على دول العالم. (1) ويقابل ذلك وجود 8 ملايين يهودي خارج فلسطين المحتلة، ولكن مع فارق كبير لصالح الفلسطينيين، ذلك أن الفلسطينيين في تزايد مستمر، ولكن اليهود على مستوى العالم يتناقص عددهم ويكفي مثلًا أن نعلم أن عدد اليهود عام 1922 يساوي نفس عددهم الحالي، بالرغم مرور ما يقرب من 100 عام (2) (3).

وإذا أخذنا في الحسبان انحسار الهجرة اليهودية لفلسطين مع تزايد هجرة اليهود منها والنمو السكاني الطبيعي الفلسطيني الذي يفوق النمو السكاني اليهودي، فإن المستقبل سيكون لأغلبية تتزايد من الفلسطينيين ومع تزايد الأغلبية الفلسطينية سيدفع ذلك مزيدًا من اليهود للهجرة من فلسطين، وتصبح مثل متوالية هندسية يتزايد عدد السكان الفلسطينيين بمعدل متزايد مقابل تناقص معدل زيادة اليهود بمعدل متزايد.

كما أن التركيبة السكانية العمرية أيضًا لصالح الفلسطينيين ذلك أن نسبة الفلسطينيين من الأطفال والشباب تفوق نسبتهم بين اليهود كذلك.

ولذلك فإن مصلحة الكيان الصهيوني هي وجود دولتين إحداهما كبيرة متسعة تسيطر على الأراضي والمياه والأجواء والبحار والثروات تكون لليهود مع تهجير فلسطينيي الداخل الذين بقوا في فلسطين المحتلة عام 1948 إلى الدولة الفلسطينية المزمعة والتي تكون دولة صغيرة محشورة في قطاع غزة وما بقي من الضفة الغربية المحتلة عبارة عن كنتونات تفصلها مستوطنات اليهود وبلا تواصل جغرافي إلا من خلال إسرائيل، وتكون شبه دولة بلا سيادة أو بسيادة منقوصة وبلا جيش يدافع عنها سوى قوات أمن لحفظ الأمن الداخلي الفلسطيني والإسرائيلي أيضًا كجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس والذي يخدم الأمن الإسرائيلي أكثر من خدمته الأمن الوطني الفلسطيني.

وبهذا تحافظ إسرائيل على نقائها العرقي والديني وتكون دولة يهودية لليهود وستحصل مقابل هذا الحل على اعتراف علني من الدول العربية والإسلامية التي تقيم كثير منها علاقات سرية وثيقة مع إسرائيل.

وستحصل إسرائيل على منافع اقتصادية عظيمة أهمها أن تكون هي المركز الاقتصادي للمنطقة وأن تكون فيها مراكز للصناعات المتقدمة التي توزع إنتاجها على سوق كبيرة من نصف مليار عربي حولها، وأن تكون إسرائيل عاصمة الشرق الأوسط المالية والتجارية، وأن يندمج اقتصادها في اقتصاد المنطقة وتتغلغل شركاتها في الأسواق والمجتمعات العربية.

وربما تتحول أيضا لمركز توزيع للبترول العربي الذي سينتقل إليها من خلال خطوط أنابيب لتقوم بتوزيعة من موانيها على البحر المتوسط.

كما ستتحكم في مصادر المياه العذبة في فلسطين والجولان المحتل وستتعاون مع إثيوبيا للتحكم في مياه النيل، وللضغط على مصر كي تصل مياه النيل إليهم.

كما ستكون تلك الدولة مركزا للمواصلات بين المشرق العربي والمغرب العربي في شمال أفريقيا وستمر من خلالها خطوط مواصلات برية وسكك حديدية وستتحكم بذلك إسرائيل في حركة النقل بين العالم العربي الأفريقي والعالم العربي الآسيوي وبالطبع ستجني أرباحًا كبيرة نتيجة هذا المرور.

كما قد تسعى إسرائيل أيضًا لإعادة خط سكة حديد الحجاز، والذي يبدأ من تركيا وسوريا، ثم حيفا والقدس مرورًا إلى الأردن، ومنها إلى مكة والمدينة.

لذلك فمجلس النواب الأمريكي وإن أعلنوا تبني حل الدولتين فليس ذلك لمصلحة الفلسطينيين أبدًا، ودائمًا ما كان الكونجرس الأمريكي يتخذ القرارات المؤيدة لإسرائيل والضغط على الحكومة الأمريكية لتنفيذها، وأقرب الأمثلة قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والذي كان كل الرؤساء الأمريكيين قبل ترامب يقومون بتأجيله. كما أن التاريخ يقول إن الولايات المتحدة لم تسع يومًا لصالح الفلسطينيين، وإنما هي دائمًا ومنذ تأسيس الكيان كانت أقرب لوكيل أعمال إسرائيل تبحث عن مصالحها وتمثلها وتتحدث باسمها وتدافع عنها بكل قوتها الهائلة في المنظمات الدولية والإقليمية.

ولهذا يمكن للفلسطينيين والعرب تغيير إستراتيجيتهم القائمة على السلام مقابل الأراضى إلى السلام في دولة واحدة تجمع اليهود والفلسطينيين بحقوق متساوية ومتبادلة مع حق فلسطينيي المهجر في العودة تمامًا مثل حق اليهود في الهجرة.

فإذا كان العرب لا يملكون حاليا القوة الشاملة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي – وربما يملكون هذه القوة َ لكن ليست لديهم النية أو الرغبة لاستخدامها – فيمكنهم التمسك بحل الدولة الواحدة وسيكون الوقت والزمن لصالح العرب والفلسطينيين، وربما حينها قد يبدأ اليهود في الهجرة الطوعية من فلسطين إلى بلادهم التي جاءوا منها لتداعي حلمهم في دولة يهودية خالصة.

والسؤال الأخير: إذا كانت كل الشعوب العربية والإسلامية تتوق إلى اليوم الذي يستعيدون فيه الأقصى وفلسطين، فهل لدى أنظمة الحكم العربية نفس هذه الرغبة لتحرير فلسطين؟

بالطبع كل ما سبق من مقارنة بين حل الدولتين وحل الدولة الواحدة لا يعبر بالضرورة عن قناعاتي الشخصية في ضرورة إنهاء الاحتلال الصهيوني لفلسطين كلها من النهر إلى البحر بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك القوة العسكرية، ولكن قد لا يكون هذا الخيار متاحًا في هذه المرحلة الزمنية، وبالتالي لابد عن البحث عن البدائل المتاحة حاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد