من بين أعرق القضايا، وأكثرها تعقيدًا على الإطلاق، في القرن العشرين، والخاضعة لميزان القوى الدولية، والتجاذبات الجيوسياسية، قضيتي فلسطين والصحراء الغربية؛ وهما القضيتان اللتان تحملان العديد من أوجه التشابه من حيث الشكل والمضمون.

على مستوى الشكل

كلتا القضيتين تقعان في المجال الجغرافي العربي، أرضًا وشعبًا، وتصنف ضمن خانة البلدان غير المستقلة ذاتيًا، والخاضعة لمبدأ تصفية الاستعمار وفق تصنيف الأمم المتحدة.

على مستوى المضمون

تتقاطع قضية فلسطين والصحراء الغربية عند جملة من أوجه التشابه، يبقى أبرزها قوة الحق الذي تتمتع به القضيتان من حيث الشرعية والقانون الدولي، وهو الحق الذي مُنح بشكل تلقائي للشعوب في حقها للمقاومة بشقيها العسكري والمدني، ورغم التباين الجغرافي بين أرض فلسطين وإقليم الصحراء الغربية (آسيا، وأفريقيا) على التوالي، إلا أن مجموعة من العوامل الجيوسياسية ساهمت بشكل كبير في أن تخوض القضيتان نفس المسار تقريبًا سواء تعلق الأمر بسبل مقاومة الاحتلال، المسار التفاوضي والنتائج على الأرض، وهو ما سنحاول شرحه للقارئ بشكل مبسط ودون إطناب، أو أي تعقيدات.

الاحتلال والمقاومة باعتبارها خيارًا استراتيجيًّا

منح الانتداب البريطاني، أرض فلسطين للاحتلال الإسرائيلي؛ لإقامة الدولة اليهودية، وفق وعد بلفور، ومنحت إسبانيا القوة الاستعمارية السابقة، إقليم الصحراء الغربية للمغرب، وفق معاهدة مدريد، في ظل هذه الظروف نمت روح المقاومة القتالية للشعبين، في كلا الأرضين، مع فارق في زمن بدايتها، وانبثقت حركات تحرر سرية، في قالب تنظيمي محكم، تتبنى العنف الثوري باعتباره فكرًا لتحرير الأرض، مستعملة كل الوسائل المشروعة بما فيها الكفاح المسلح؛ ففي فلسطين تشكلت العديد من الفصائل، ذات المرجعيات الأيديولوجية المختلفة، رغم أن الهدف واحد، وفي الصحراء الغربية تشكلت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، المعروفة اختصارًا بجبهة البوليساريو، وتشكل الحزب الوطني الصحراوي المعروف بـ«البونس»، والهدف واحد أيضًا.

البحث عن الشرعية الدولية

استمرت الفصائل المسلحة في فلسطين، تحت مسميات عديدة، ذات مذاهب فكرية ومرجعيات مختلفة، في القتال والمقاومة المسلحة، نُفذت خلالها العديد من العمليات النوعية، والعسكرية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وكبدته خسائر كبيرة في العدة والعِداد، فصائل كان نضالها عسكريًّا بامتياز، وعرفت تضامنًا كبيرًا، ماديًا ومعنويًا، وشعبيًا ودوليًّا، خصوصًا من الدول والمنظمات والحركات ذات المرجعية الاشتراكية من حاملي الفكر التحرري، استمر الوضع على هذه الحالة إلى أن اجتمعت الفصائل والمنظمات الفلسطينية تحت مظلة «منظمة التحرير الفلسطينية» باعتبارها ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، بزعامة الراحل «ياسر عرفات».

منحت المنظمة كامل الصلاحية لإعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، لم يتجاوز الاعتراف الدولي بها حدود جامعة الدول العربية، وبعض الدول اللاتينية، إضافة إلى التفاوض باسم الشعب الفلسطيني، بصفة حصرية، مع الاحتلال حول المصير.

في الصحراء الغربية، سلكت جبهة البوليساريو عبر ذراعها العسكري، مقاتلو جيش التحرير الشعبي الصحراوي نفس الطريق، لكن الوضع يختلف قليلًا عن فلسطين، حيث اقتصرت على مقارعة الجيش المغريي في ساحة المعركة، مستبعدة حرب الشوارع والمدن ومستثنية المدنيين، حرب خاض خلالها المقاتلون الصحراويون حربًا ضروسًا، كبدت الجيش المغربي خسائر فادحة في العدة والعِداد أيضًا، كما أخذت طبيعة المقاومة الصحراوية بعدًا آخرًا، وتوعويًّا بالدرجة الأولى؛ لتجاوز عتبة أعتى المؤسسات الاجتماعية المتجذرة في المجتمع الصحراوي والمتمثلة في القبيلة، فكان مؤتمر عين بنتيلي (منطقة في أقصى شرق الصحراء الغربية)، بداية القطيعة مع مفهوم القبيلة، حيث أسست جبهة البوليساريو لمفهوم تنظيمي جديد يستثني القبيلة وشيوخها بصفتها مرجعًا سياسيًّا، مع الإبقاء على الطابع الاجتماعي الذي يميزها، وحصرها باعتبارها مؤسسة اجتماعية في بنية وتركيبة المجتمع، هذا المؤتمر توج بالاعتراف بجبهة البوليساريو باعتبارها ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الصحراوي، ليتم بعد ذلك، إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، من جانب واحد، لم يك لها نصيب في جامعة العرب؛ بسبب «القومية» العربية المزعومة، ووجدت في أفريقيا وبعض الدول اللاتينية، أحضانًا دافئة أيضًا.

إضافة إلى تخويل الجبهة مسئولية التفاوض باسم الشعب الصحراوي، بشكل حصري حول مصير الإقليم، أما زعيم حزب «البونس» فقد اختار الانضمام إلى طرح المغرب والانخراط في العمل السياسي، من خلال حزب الاستقلال المغربي.

متاهات التفاوض ومبدأ هوتشي منه

بداية تسعينيات القرن الماضي، سلكت كلتا القضيتين طريق التفاوض، وتخلت كلتا القضيتين أيضًا، عن مبدأ العنف الثوري، فاسحة المجال أمام المقاومة المدنية، وانتفاضة الحجارة في فلسطين، ومقاومة سلمية أخذت طابع المظاهرات، والوقفات المطالبة بالاستقلال في المناطق التي يسيطر عليها المغرب بالصحراء الغربية، معززة بذلك قوتها التفاوضية.

من مدريد إلى أوسلو تاهت القضية الفلسطينية بين مطبات السياسة، وتاهت معها الفصائل الفلسطينية بين مؤيد ومعارض، نظرًا لحجم التنازلات التي قدمت على طبق من ذهب للجانب الإسرائيلي، وحُملت (برفع الحاء) منظمة التحرير الفلسطينية كامل المسئولية في تبعات ونتائج أوسلو؛ نتج عن ذلك انشقاق في المنظمة، إضافة إلى أن بعض الحركات وبصفة خاصة ذات المرجعية الدينية، حافظت على قوة السلاح. بالنسبة لقضية الصحراء الغربية، عرفت تقريبًا ذات المصير، أو بالأحرى لا زالت سائرة في ذات الاتجاه، حيث أسكتت فوهات المدافع؛ حقنًا للدماء، فاسحة المجال أمام مفاوضات، تارة سرية وتارة أخرى معلنة، مباشرة وغير مباشرة؛ نتج عنها وضع الأستاتيكو، الذي أدى إلى انشقاق العديد من القادة في صفوف جبهة البوليساريو، ومعهم بعض البسطاء من الناس، منهم من عاد إلى أحضان المغرب، ومنهم من اختار التواري عن الأنظار، فيما برزت طائفة من الشباب، سئمت حالة الانتظار، التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار، تطالب بالعودة إلى الكفاح المسلح، وبرز معها مجموعة من القياديين والمثقفين مطالبين بضرورة الإصلاح في نهج جبهة البوليساريو.

لم تعرف أي قضية طريقها نحو الحل، من خلال المفاوضات، إن وضعت الحرب أوزارها، فالمفاوضات تسير بالتوازي مع الحرب، مبدأ أسسه الزعيم الفيتنامي «هوتشي منه»، حين دك آخر معاقل الاحتلال الفرنسي، في ديان بيان فو، وهو ماضٍ نحو التفاوض معهم في جنيف، وفي نهاية المطاف انتصرت فيتتام، دولة صغيرة، تقع في وسط أدغال آسيا، على أعتى القوى الاستعمارية آنذاك بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي تفاوض اليوم حركة طالبان؛ لأنها ببساطة تمسكت بقوة السلاح باعتباره خيارًا استراتيجيًّا، واختار مقاتلوها جبال طورابورا في أدغال أفغانستان، ذات التضاريس الوعرة، باعتبارها خيارًا تكتيكيًّا، ولم تسكت رنين الرشاش.

النتائج

من مدريد إلى أوسلو وصولًا إلى كامب ديفيد، لم يحصل الفلسطينيون على مبتغاهم في الحرية والاستقلال، المقاومة المدنية أجهضت، وحلم الدولة الفلسطينية أصبح سرابًا، واستبدل بمفهوم «السلطة الفلسطينية»، مع تراجع المجال الجغرافي الفلسطيني إلى 20%، مقابل تصاعد وتيرة الاستيطان، وتمدد الاحتلال.

الفصائل تناحرت فيما بينها، وانغمست في إشكالية المصالحة، إضافة إلى التنسيق الأمني الذي عمل على تفتيت كل التنظيمات، وإذابة مقاتليها ضمن جيش «سلطة» لا يستطيع حتى رئيسها مغادرة الضفة الغربية دون إذن إسرائيلي.

أما الشعب الفلسطيني ظل تحت رحمة الاحتلال بين سجين، ولاجئ، ومغترب يطالب بحق العودة، وفي النهاية استطاعت إسرائيل فرض نظرية السلام مقابل السلام، بدلًا من حق الفلسطينيين في الأرض مقابل السلام.

من مراكش إلى مانهاتن وصولًا إلى جنيف، لم يحصل الصحراويون على مبتغاهم بعد، وحافظت جبهة البوليساريو على 20% من الأراضي فقط، فيما ارتفعت وتيرة الاستيطان، ونهب الثروات الطبيعية بشكل كبير، وتغيرت خريطة الجغرافيا البشرية، وأضحى الصحراويون أقلية، والمستفيد من وضعية اللاسلم واللاحرب هو المغرب.

الانتفاضة أجهضت، وحرب قبلية طاحنة تدور رحاها في السر، حتى على مناصب الدولة الصحراوية الصغرى، في حين أن الشعب الصحراوي ما زال بين معتقل، ولاجئ، ومغترب أيضًا. وفي النهاية المغرب متمسك بـ«السيادة»، ويقترح حل «الحكم الذاتي» باعتباره أقصى ما يمكن منحه للصحراويين، وجبهة البوليساريو تتمسك بحق الاستفتاء من أجل تقرير المصير إلى أجل غير مسمى.

وفي الختام يبدو أن الولاء للفصيل في حالة فلسطين، وللقبيلة في حالة الصحراء الغربية، والصراع على الزعامة، إضافة إلى البحث عن شرعية التمثيل، لا عن تحرير الوطن، قد أضاع القضيتين في متاهات السياسة، وترك الشعوب تصارع مصيرها بالصمود؛ صمود إلى حين يصبح الولاء للوطن فقط، وللأرض التي سُقيت بدماء الشهداء الزكية، حينها سيولد «هوتشي منه» فلسطيني أو صحراوي يفاوض ويحارب.

وصدق من قال: «إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد