البيت وطن صغير حجراته ملأى بكلماتٍ حروفها تتناثر وتتبعثر، ثم تلم شملها في صندوق حكايات الزمان ليُحتَفظ بها، فتُروى على ألسنة القُصاص، فيولد من رحمها مرادافات كثيرة تتعانق وتتكامل في صورة رائعة أسموها التاريخ.

ذلكم الذي يبقى أثرًا إذا ما عانقت أعيننا صفحاته، كان كمحفز يدفع الحدقة للاتساع، لتشاهد مشهدًا سينمائيًا برع أبطاله في حَبك وقائعه بتلقائية ودونما تكلف أو تصنع.

وكما للتاريخ من نظرة شمولية وارتباط وثيق بأبطاله وما خطته أيديهم، وما نقشوه بأجسادهم وأحاسيسهم ومشاعرهم على جدرانه وحوائطه فللبيوت أيضًا ذاكرة واسعة، تعمر بها قلوب أصحابها وتأنس بحديثها، فلا يمكن لأي قوة أن تزيلها حتى لو هوت وتساقطت وتلاشت من مشهد المكان.

إنها قائمة على أصولها وباقية في عقول ساكنيها ومحبيها ترتاد قصور الذاكرة الفيحاء، ولا ترتضي عنها بديلًا ولا عِوضًا.

فيها مرتع صِباهم ومأوى أفئدتهم وسُكنى أحبائهم، وذاكرة بيوت فلسطين التي يريد الصهاينة محوها وإقامة المستوطنات على آثارها، وهي ستظل بابًا واسعًا وفصلًا فيه من الثراء والغنى؛ ما يجعله طليعةً في أكبر فصول التاريخ على وجه تلك البسيطة مذ خُلق آدم، وعُلمت ذريته الكتابة والتدوين.

ومن يعايش مشهدًا لبيت يُهدم بأمرٍ يصدر من محكمة جائرة، أبطالها لصوص وقُطاع طرق من طراز خاص، سعوا لسرقة التاريخ من أهله وطمسه ومحوه بكراهيتهم وجبروتهم وحقدهم الدفين على الإنسانية وأهلها، بزعمِ تفرد جنسهم وتفوقه عن سائر الأجناس، فسوّلت لهم شياطين أنفسهم في ظلمة الليل، بهدم التاريخ واقتلاع أشجار زيتونٍ تتألق أوراقه وثماره تألق البسمة على مُحيّا طفلٍ رضيع.

وكأن عقارب الساعة تزمجر حانقة غاضبة، ومعلنة عصيانها عن الدوارن وهي تسطر لجمهرة جند حملوا من الجبن والخوف نصيبًا مستكينًا في جبلّتهم، راسخًا في عقيدتهم.

لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14). الحشر.

جاءوا بعتادهم الناقم على ظلمهم، لكنه لا يجرؤ على الرفض والعصيان، فيمد ذراعيه ليقتلع بيتًا من قلوب ساكنيه، فيه شيخ يتكئُ على عصاه، داهمته الشيخوخة فلن يقوى على الركض أو المسير!

فيه أمٌّ عانت مخاض أطفالٍ كانوا يَحبُون بفناءٍ واسع، وبحديقة غنّاء، شبوا مع براعم أشجارها فالتصقت بهم والتصقوا بها؛ تلاصق الفراش بمزقة عسل في أحضان زهرة رقيقة بوادٍ فسيح.

وليس أقسى على الطفولة من كلمات قصيدةِ رثاء تقولها عيونهم وهم يبحثون عن ألعابهم الضائعة وسط ركام صخرٍ متساقط يأبى أن يبتلعها، فتنسكب لها دموعهم وهم يختزلون الحياة بقدها وقديدها في لعبة شأنها عندهم عظيم.

ومن كان هذا شأنه وتلك سجيته وعهده من أطفال كل بقعة على أرض فلسطين ومن تهدم في عينه الحياة ويُقتلع من أرضه، كيف له أن يعود ليبني قصور الذاكرة من جديد !

تلك معضلة تجد جوابها لديهم هناك! على شواطئ حيفا ويافا وعكا وغزة، وهم يبنون بيوتًا سامقة شامخة من الرمل والطين، يُسكنون فيها آمالهم ويُجلسون فيها أحلامهم فيسرحون ويمرحون ببراءتهم، رغم إدراكهم أن هناك موجًا عارمًا سيداهمهم بغتة ويسقط بيوتهم!

لكنها إرادة لن تنكسر، وعزم لا يلين. ومن يخرج من وطنه عنوة، ثم يهاجر بعيدًا ولا يستسلم، ويظل على عهده حاملًا مفتاح داره والمفتاح لا يصدأ ولا تعتريه الشوائب والنوائب رغم تباعد الأيام والشهور والسنون.

فأي وطن هذا الذي يحوم طائره حوله وهو يعلم أن الذئاب تمزقه بأنيابها فلن تترك له ولو عيدان قش صغيرة يتشبث بها ويستند عليها كي يعيد بناءه من جديد.

إنها فلسطين الراسخة في وعي التاريخ، الضاربة بجذورها في بداياته ومنتهاه. فما من زائر لبوابته إلا ويمر من خلالها، وما من رحال يحط براحلته إلا ويأنس بصحبتها وكرمها.

فيا من تدمرون الدور وتخرجوا منها أهلها أنتم واهمون كالذي يريد محو التاريخ بممحاة وتذريته مع الريح من فوق جبل عال بمزراه!

هدم البيوت باستطاعتكم أما هدم الذاكرة ومحوها فلا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد