مؤتمر باريس 1919م كان أول خطة للتدخل الأمريكي بالشرق الأوسط (في فلسطين على وجه الخصوص) متمثلًا في رئيسه وودرو ويلسون القادم للمؤتمر تحت شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها، منصِّبًا نفسه عقلًا مفكرًا عن شعوب العالم ووصيًّا عليها، كما أوضح بي.أورين:«القيام بالتفكير نيابة عن العالم أجمع»، جاعلًا من خلال خطابه أمريكا مسؤولة عن العالم أجمع.
منصِّبًا نفسه قائدًا للنظام الجديد؛ إذ كان يحضِّر لنظام ما بعد الحرب (أو ما يُسمى اليوم النظام العالمي الجديد)، مشروع عصبة الأمم[1] وكان هم ويلسون وشغله الشاغل عند الإقرار بحرية تقرير المصير، فك الإمبراطورية العثمانية وإنهاء الوحدة الإسلامية، ولا شيء غير ذلك، متذرعًا بحق تقرير المصير..!
ويذكر أورين هذا الهم بقوله :«كان يتطلع إلى حل الإمبراطورية العثمانية وتأسيس دول مستقلة في أجزائها المتفرقة».[2]

أما ملامح هذا المشروع فهو الحفاظ على الأناضول التركية مستقلة، وإنشاء دولات مستقلة بالعالم الإسلامي وبترها عن الدولة العثمانية، وإنشاء دولة أرمينيا، وربط دول المركز (الشرق الأوسط) بالقبلية، والاحتفاظ بفلسطين لليهود تحت غطاء الانتداب البريطاني، وسمي هذا المشروع بـ «تقرير الحدود العملية العادلة للإمبراطورية التركية» نوفمبر (تشرين الثاني) 1918م.[3]

ويلسون كان يعني هذا جيدًا؛ أنه لا مستقبل لأمريكا إلا بالاستحواذ على فلسطين؛ فأمريكا (كما نرى) لم تزدهر إلا باحتلال فلسطين عن طريق شراذم صهيونية..!

فسعى ويلسون جاهدًا لتحقيق هذا المخطط عن طريق اقتراحه على مؤتمر الصلح إرسال لجنة تحقيق؛ عُرفت بلجنة كنج كرين (King-Crane) لمعرفة مطالب سكان المنطقة، أكد تقرير اللجنة أن المقدسيين رغبوا في الاستقلال التام [4]، ورفضوا جعل فلسطين دولة يهودية.

وأرسل الوفد تقرير اللجنة إلى الرئيس ويلسون في البيت الأبيض في الأول من سبتمبر (أيلول)  1919، ولم يكشف عن نتائج التقرير حتى يوليو (تموز) عام 1922م. [5]
وكما يبدو أن هذه ما كانت إلا شكليات لتنويم الشعب الفلسطيني، الذي كان ينتظر اللجان لتقتص له، رُغم أن هذه الأخيرة هي من تبرر الاحتلال بقواها الناعمة ( الإعلام، والمجالس، والمؤتمرات.. إلخ) !
وللإشارة فقد قادت لجنة التحقيق مشروعًا غرب آسيا، يصب المشروع عمومًا في كبِّ العالم الإسلامي في صناديق القمامة بتعبير أورين[6] عن طريق زعامة أمريكية في قيادة المشروع وتنظيمه؛ يعني أمريكا من هذه اللحظة بدأت ترسم معالم قيادتها للعالم الإسلامي، وإنشاء مشروع بديل عن المشروع الإسلامي بالقيادة العثمانية، هذا المشروع الذي لا يزال مستمرًّا لليوم تحت أسماء و عنوانين مختلفة..!
تتجسد في مجملها في إقامة النظام الوظيفي.

وقد ذكر بي أورين أنه رغم جهود أمريكا فإن بريطانيا وفرنسا كانتا تحيكان اتفاقيات سرية رغم كونها علنًا موافقة على المبادرة الأمريكية [7]!

إن ما يدعيه أورين مجرد خيال وأوهام و«ضحك على الذقون»؛ إذ إن المبادرة الأمريكية هي نفسها ما تم تنفيذه في اتفاقية «سايكس بيكو» بين فرنسا وبريطانيا!

ولما أقرَّ مؤتمر سان ريمو في عام 1920م، وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق وشرق الأردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، وألزم المؤتمر بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور، بذلك جاءت مقررات المؤتمر تطبيقًا عمليًّا لاتفاقية «سايكس بيكو»، لم تبدِ الإدارة الأمريكية اعتراضًا على مقررات المؤتمر أصلًا.

بعد نشر خبر اتفاقية «سايكس بيكو» أبدت الولايات المتحدة رفضها لهذه المعاهدة، مالم يتعهد الطرفان بحفظ مصالحها؛ إذ قال الرئيس الأمريكي رافضًا لها: «هذه خطة كلها سوء، وهذا ما قلته لبلفور،[8] إنهم يجعلون من الشرق الأوسط مكانًا يستولد حربًا في المستقبل»[9]

إذن فالمباركة الأمريكية للسياسة البريطانية المؤيدة للأطماع الصهيونية في فلسطين كان بمقابل الحصول على مكاسب وامتيازات خاصة بمواطنيها؛ فقد دخلت في مفاوضات مع بريطانيا أسفرت عن عقد معاهدة بينهما في 30  ديسمبر (كانون الأول) من عام 1924م، نصَّت على تمتع المواطنين الأمريكيين بحقوق فتح مختلف المؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية والدينية في فلسطين، وعدم تغيير الوضع في فلسطين دون إجراء مشاورات مسبقة مع واشنطن، وتمت مصادقة الكونجرس الأمريكي على المعاهدة في عام 1925م.

وبعد انسحاب أمريكا من عصبة الأمم، نهجت إدارة ويلسون سياسة الباب المفتوح؛ وشرعت وزارة الخارجية الأمريكية في برنامج يثبت قانونيًّا الحقوق الأمريكية في المناطق العثمانية المحتلة؛ (حرية الملاحة، وحماية الكليات، والإرسالات الأمريكية، مع منح الولايات المتحدة حرية التنقيب عن الآثار والنفط، حرية الأنشطة التجارية.[10]

إذن فالدور الذي لعبته أمريكا كان ضرب الشرق بالغرب والحصول على مكاسب على طبق من ذهب؛ فأمريكا لم تقم لأجل حرية أحد ولا حقوق بلد
إنما هي المصالح، حيثما كانت توجهت أمريكا قِبلها.
فقامت أمريكا بدورها الأكبر في المنطقة الإسلامية منذ هذه اللحظة وتحت رعاية مؤسسة رسمية وهي عصبة الأمم؛ بحيث وحدت بين الجهود الدينية والسياسية لتحقيق المصالح الاقتصادية بالمنطقة، و عودة الصليبية والصهيونية للأراضي المقدسية.

ومبدأ تحقيق المصير ليس سوى إنشاء مشروعات وطنية تحميه أنظمة موظفة من طرف القوة الأوروبية والأمريكية، استبدالًا وسدًّا لفراغ المشروع الإسلامي ( وهو ما نعيشه لليوم)، تحت قيادة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية.

ويكفينا حجة مساندة أمريكا للانتداب، والموافقة على وعد بلفور.[11]
لأجل كل هذا نقول: مَن يريد تحرير فلسطين، فليتحرر أولًا من النظام الوظيفي الذي يحكمه، ثم من وصاية الولايات المتحدة عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد