بعد جلاء الانتداب البريطاني عن فلسطين في 15 مايو (أيار) عام 1948، اعتبر الملوك والزعماء العرب الشعب الفلسطيني شعبًا قاصرًا عن إدارة شؤونه، غير مؤهل لقيادة قضيته التي اعتبروها وقتها قضيتهم أجمعين، ففرضوا الوصاية العربية عليه، ووقفوا أمام آماله وتطلعاته في تحرير أرضه، وساهموا بأطماعهم تارة وخلافاتهم تارة أخرى في عرقلة عمل أول حكومة فلسطينية تسعى للملمة جراح الشعب الفلسطيني لتوحيد نفسه وتحرير أرضه.

بدأت القيادات والزعمات الفلسطينية بسعي لتشكيل حكومة فلسطينية تقف أمام المؤامرات التي تحاك لسلبهم وطنهم، بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1948 قراره رقم 181 قاضي بتقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية، وعلى هذا الأساس سارعت الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني في الأول من فبراير (شباط) عام 1948 بتقديم مشروع قرار إلى الدول الجامعة العربية تدعوا لإقامة حكومة فلسطينية على كامل تراب فلسطين، لكن دعوة الهيئة العربية العليا لم تلق الاهتمام الكافي من الجامعة الدول العربية.

وعلى أثر إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو عام 1948، جددت الهيئة العربية العليا طلبها بالإسراع بإقامة حكومة فلسطينية، وبسبب خشية الدول الجامعة العربية من حدوث فراغ سياسي في فلسطين، واقتراب دورة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، وضغط سفراء الدول العربية في هيئة الأمم المتحدة لوجوب وجود ممثلين عن الشعب الفلسطيني، وافقت الدول الجامعة العربية على فكرة إنشاء حكومة فلسطينية.

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1948 أعلن عن تشكيل حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي باشا عبد الباقي الذي أصدر بيانًا فور تشكيلها: (في الخامس عشرة من مايو سنة 1948 زال عن بلادنا المقدسة الاحتلال البريطاني الذي لم تعترف به الأمة في وقت من الأوقات، ولذلك قررنا بعد التوكل عليه تعالى، واستنادًا إلى حقنا الطبيعي وتأييد الحكومات العربية ومؤازرة البلاد العربية حكومات وشعوبًا وإلى قرارات الجامعة العربية… بتأليف حكومة عموم فلسطين على كامل حدودها المعروفة قبل 15 مايو سنة 1948).

وقد واجهت حكومة عموم فلسطين منذ اليوم الأول لتشكيلها مجموعة لا حصر له من التحديات التي ساهمت في جعلها حكومة عرجاء، فالأرض التي كان ينبغي أن تمارس حكومة عموم فلسطين سلطتها عليها، تقاسمتها الدول التي شاركت في حرب عام 1948، فإما كانت هذه الأرض تحت سيطرة الدولة الإسرائيلية الوليدة أو تحت سيطرة الدول العربية، كما ساهم رفض هيئة الأمم المتحدة الاعتراف بحكومة عموم فلسطين كحكومة شرعية وبتحريض من بريطانيا إلى جعلها حكومة فاقدة للشرعية الدولية.

ومن جانب آخر رأى عبد الله الاول ملك أمارة الأردن وقتها، أن حكومة عموم فلسطين تقف حجر عثرة أمام طموحاته التوسعية بعد مغادرة الجيش العراقي للضفة الغربية، لذلك أرسل الملك برقية إلى رئيس الحكومة المصرية وقتها محمود فهمي النقراشي باشا، أعلن صراحة رفضه لقيام حكومة عموم فلسطين، وأكد أنه سيحارب قادتها، وبرر الملك موقفه أنه؛ يخشى على سلامة مملكته من نشأة دولة ضعيفة على حدود مملكته، غير قادرة على حماية نفسها، وقد يستولي عليها اليهود أو لربما تعترف بها الأمم المتحدة فيكون التقسيم أمرًا واقعًا.

ولوأد أي أمل لبقاء حكومة عموم فلسطين، قام الجيش الأردني بحملة تصفية وملاحقة لقوات الجهاد المقدس في ربوع الضفة الغربية، وبإيعاز وتوجيه من الملك عبدلله بن الشريف حسين، قام عدد من وجهاء فلسطين في الضفة الغربية بعقد مؤتمر أريحا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) عام 1948، وبايعوا الملك عبد الله بن الشريف حسين ملكًا على فلسطين، وبناءً على مقررات مؤتمر أريحا وعدد من المؤتمرات الأخرى، أعلن الملك عبد الله بن الشريف حسين تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية في 24 أبريل (نيسان) عام 1950.

أما عن مصر فرغم رفضها هي وعدد من الدول العربية لتطلعات الملك عبد الله في ضم الضفة الغربية للأردن، إلا أنها وجدت أن استمرار دعمها لحكومة عموم فلسطين في قطاع غزة سوف يؤثر على علاقاتها مع الأردن وكذلك مع بريطانيا، وعلى هذا الأساس بدأت تقلل من دعمها لحكومة عموم فلسطين، وانتهى الأمر بمصر بمنع عمل حكومة عموم فلسطين في قطاع غزة ونقل مقرها عملها إلى القاهرة، حيث منعت مصر أي تواجد سياسي أو عسكري للحكومة عموم فلسطين في قطاع غزة، بعدما سربت السفارة البريطانية في القاهرة معلومات ملفقة إلى الحكومة المصرية، تدعي أن أمين الحسيني يسعى لتأسيس حكومة على غرار الحكومات في الاتحاد السوفيتي.

أما باقي الدول العربية فلم تكن جادة في تحمل مسؤوليتها اتجاه حكومة عموم فلسطين، وقد ساهمت الخلافات العربية – العربية بشأنها لجعلها حكومة صورية لا أكثر ولا أقل، وقد كانت كذلك مشاركة رئيسها أحمد حلمي باشا عبد الباقي في اجتماعات الجامعة الدول العربية صورية ولا تحمل أي معنى.

ورغم أن حكومة عموم فلسطين كانت غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها السياسية والعسكرية، إلا أنها استغلت الهامش الضيق الذي منحتها لها بعض الدول العربية، فأصدرت 60 ألف جواز سفر باسمها للفلسطينيين في بعض الدول العربية ما بين عامي (1948-1961)، كما سمح لها بالعمل في بعض المجالات كمجال التعليم والصحة والشؤون المدنية وغيرها.

وفي المحصلة أدى عدم تمكن حكومة عموم فلسطين من القيام بمهامها في قيادة الشعب الفلسطيني إلى وقوع الشعب الفلسطيني في فراغ سياسي، وكان من الطبيعي نتيجة حرمان الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره من خلال هيئة أو منظمة أو كيان إلى اندفاع أبناء الشعب الفلسطيني للانتساب لمختلف الأحزاب والحركات القومية العربية.

وكان من نتائج هذا الانتساب: تغيب الفكر السياسي الفلسطيني، بتقديم الفلسطينيين عروبتهم على فلسطينيتهم، أملًا أن تساهم عروبتهم في تحرير أرضهم، بل وصل الأمر إلى أن أي عمل فلسطيني منفرد سياسيًا كان أو عسكريًا يعمل خارج إطار العروبة، يعتبر خروج سافر وغير مقبول عن الإجماع العربي، سواء كان شعبيًا أو رسميًا، ولذلك لم تشهد الساحة الفلسطينية أو العربية ظهور أي تنظيم فلسطيني ذات ثقل سياسي أو عسكري قادر على فرض نفسه على الساحة العربية خلال الفترة (1948-1964).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد