‫التاريخ يشهد أن فلسطين هي قضية الأمة وَهَمّ قادتها الأول والأخير، وإن المتأمل لسطور التاريخ الإسلامي يرى أن فلسطين هي ترمومتر صعود الأمة وهبوطها ومقياس حضارتها وتمكينها، ولذا فإن فلسطين كانت وستظل روحَ الأمة، أملَها، مقياسَ قوتها، عزتَها وكرامَتها.

 

 

 

 

 

وهذه رحلة سريعة عبر التاريخ تبرز حال فلسطين مع الأمة، وذلك على النحو التالي:

 

 

 

 

 

تبدأ القصة بميراث الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم برحلة الإسراء والمعراج إلى الأرض المباركة فلسطين.

 

 

 

 

ثم الفتح الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 15 هـ / 636 م.

 

 

 

تبع ذلك تاريخ من الحضارة والعمران في ظل الدولة الأموية والعباسية يتخللها فترات متعاقبة تحت حكم تاريخ الدولة الطولونية والإخشيدية ثم العبيدية المدعاة بالخلافة الفاطمية.

 

 

 

 

 

وقد شهدت فترة الحكم العبيدي أكبر خيانة كبرى في تاريخ فلسطين إلى ذلك الحين، وذلك بتسليم الرافضة مدينة القدس للصليبيين، ساعدهم في ذلك ضعف الحكام المسلمين وضياع النخوة والدين داخل الشعوب الإسلامية، أدى ذلك كله إلى الاحتلال الصليبي الأول في 22 شعبان 492هـ الموافق 15 يوليو 1099م.

 

 

 

 

عقب ذلك الاحتلال قامت محاولات إحياء الأمة لإنقاذ مقدسات المسلمين على يد الأمير مودود وآق سنقر ثم عماد الدين زنكي ثم نور الدين محمود وأخيرا البطل صلاح الدين الأيوبي.

 

 

 

 

 

تُوِّجت هذه المحاولات بتحرير صلاح الدين الأيوبي لفلسطين في ٢٧ رجب ٥٨٣هـ/ ٢ أكتوبر ١١٨٧م، وبذلك قامت الدولة الأيوبية في بلاد مصر والشام والحجاز واليمن.

 

 

 

 

وفي مرحلة ضعف الدولة الأيوبية كان تفريط الملك الكامل وخيانته للأمة ودماء الشهداء وبيعه فلسطين وبيت المقدس لصديقه الصليبي وتتويج الإمبراطور الألماني فردريك الثاني ملكًا على مملكة بيت المقدس الصليبية في رجب 626هـ/ يونيو ١٢٢٩م.

 

 

 

 

غير أن الله تعالى يقيِّض للأمة الملك الصالح نجم الدين أيوب حفيد صلاح الدين، الذي استطاع بفضل الله أن يحرِّر فلسطين والمسجد الأقصى مرة ثانية في 3 صفر 642هـ/ 11 يوليو 1244م؛ ليتحرر المسجد الأقصى نهائيًّا من أيدي الصليبيين.

 

محطات تاريخية في تاريخ فلسطين والمسجد الأقصى

 

 

 

 

وخلال السبعة قرون التالية (من ق7هـ : 14هـ / من ق13م : 20م) كانت هناك محطات تاريخية هامة في تاريخ فلسطين والمسجد الأقصى، نذكر منها على عجالة:

 

 

 

 

 

التتار يقضون على الأخضر واليابس ويهلكون الحرث والنسل، إلا أن الله تعالى رزق الأمة بقائد رباني أعاد لها عزها ومجدها وقوتها وهو سيف الدين قطز؛ فكان الانتصار العظيم في معركة عين جالوت داخل مدينة غزة في 25 رمضان 658 هـ / سبتمبر 1260 م.

 

 

 

 

 

 

فلسطين تشهد تقدمًا عمرانيًا علميًا رهيبًا أثناء حكم دولة المماليك البحرية ثم البرجية، حتى تسلَّم رايتها الخلفاء العثمانيون منذ سليم الأول رحمه الله.

 

 

 

 

 

 

 

منذ التحرير الثاني على يد الملك الصالح أيوب لم يجرؤ جيش صليبي أن يدخل فلسطين مدة سبعة قرون، حتى دخلها الإنجليز خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914م.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلال الحكم العثماني لفلسطين انبعثت الحضارة من جديد فبنيت المدارس والمساجد والكنائس والحمامات والأسواق والسرايا.

 

 

 

 

 

قدمت الخلافة العثمانية خدمات جليلة للعرب والمسلمين لعل أهمها حماية المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة وفلسطين، وقامت بحماية الشرق العربي والإسلامي من الغزو الاستعماري لمدة ثلاثة قرون.

 

 

 

 

 

 

وقف الخلفاء العثمانيون حجر عثرة أمام الاستيطان اليهودي في فلسطين، فلما فتح السلطان سليم الأول مصر عام (923 هـ / 1517م) أصدر فرمانًا بمنع اليهود من الهجرة إلى سيناء، ولما تولى ابنه سليمان القانوني عرش الدولة عام (926 هـ / 1520م) أصدر فَرَمانًا لاحقًا، أكد فيه ما جاء في الفرمان السابق.

 

 

 

 

 

 

وكان أكثر العثمانيين حفاظا على فلسطين السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض عرض إغراءات هرتزل زعيم الصهيونية، رغم الضائقة المالية التي تمر بها الدولة العثمانية، وقال لهرتزل مقولته الشهيرة: “لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة؛ لأنها ليست ملكي بل هي ملك شعبي،

 

 

 

 

 

 

 

 

وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأرض ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا فرقت دولتي من الممكن الحصول على فلسطين بدون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولاً في جثتي قبل الحصول على فلسطين”. وبذلك حافظ الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني على عروبة وإسلامية فلسطين.

 

 

 

 

 

 

ثم كانت المؤامرة الكبرى على الأمة لإسقاط الخلافة ودخول اليهود فلسطين، شملت العلمانيين والماسونيين في جمعية الاتحاد والترقي ومعهم القوميون الطورانيون من حزب تركيا الفتاة، إلى جانب الصليبيين من إنجلترا وفرنسا وروسيا، ومن خلف الجميع اليهود يقودون زمام المؤامرة ويوجهونها لخدمة أغراضهم الخبيثة.

 

 

 

 

 

 

وقد انتزع المتآمرون فتوى من مفتي الدولة العثمانية محمد ضياء الدين، وتم خلع عبد الحميد في 21 صفر سنة 1327هـ/1909م.

 

 

 

 

 

 

وكأن التاريخ يعيد نفسه؟

خلال القرن التاسع عشر الميلادي ابتليت الأمة الإسلامية في مصر والشام خاصة بمجموعة من العسكريين الفاشلين الذين تملكوا زمام الحكم والدولة فعطلوا الحضارة ونشروا الاستبداد وتثقفوا بالتبعية المقيتة لكل ما هو غربي، حتى كانوا مطية لتنفيذ مخططات الماسونية الصهيونية،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان أخطرهم محمد علي وأسرته، الذين أضعفوا الأمة بعسكريتهم وأطماعهم، حتى انتهى الحال إلى تفتت الأمة وتشرذمها وضعفها، مما أدى إلى احتلال البلاد الإسلامية وسقوطها بيد إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وإسبانيا.

 

 

 

 

 

 

 

وأمام حركات الجهاد والتحرر من الاستعمار في البلاد الإسلامية، عمل الاحتلال على ترك أذناب ينفذون مخططاته ويحققون أهدافه من وراء ستار، فقدَّم مساعداته لمثقفين وعسكريين خونة شوَّهوا تاريخ الأمة وهدموا رموزها وغيَّبوا شعوبها وطمسوا معالمها، وكان الخاسر الأكبر في تلك المحنة هي: فلسطين!

 

 

 

 

 

العسكر هم سبب تخلف الأمة وركوعها

لا أدعي أنها حقيقة، ولكن الواقع المؤلم الذي عاشته الأمة خلال القرن المنصرم يؤكد ذلك! وإلا .. ماذا قدَّم العسكر لفلسطين والأمة منذ أن تملكوا زمام الحكم في مصر عبد الناصر وسوريا الأسد وليبيا القذافي والعراق البعثي، غير التخلف والقهر والاستبداد والظلم وبيع المقدسات؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

ماذا رأينا من عسكر مصر سوى انقلاب 52 ثم 54 ثم هزيمة 56 ونكسة في 67 وهزيمة سياسية في 73 ثم خيانة للأمة وشهدائها في كامب ديفيد 79، وهكذا دواليك منذ عبد الناصر والسادات ومبارك وأخيرًا انقلاب السيسي في 3 يوليو 2015م.

 

 

 

 

 

الطريق من هنا

لم يكن الطريق إلى تحرير فلسطين على طول نكبتها في تاريخنا كله مفروشًا بالورود أو معطرًا بنخوة عربية خالصة، وإنما كانت عقبتها الأصيلة هم هؤلاء الحكام من بني جلدتنا الذي يقبعون فوق عروشٍ هشة باسم دويلات صغيرة يتوارثها الأبناء عن الآباء.

 

 

 

 

 

 

وقد فَطن عماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين حقيقة تلك العقبة، التي تحول بينهم وبين الأقصى الأسير، حيث كان الطريق الوحيد لعودة الأقصى من الصليبيين هو توحيد البلاد العربية من خلال تخليصها من الخونة المسلمين الذين كانوا أمراء حلب ودمشق ومصر وغيرها.

 

 

 

 

 

 

والتاريخ يعيد نفسه والنكبة هي النكبة وأحفاد الخائنين ما زالوا على عروشهم يمثلون عقبة أمام الكثير من المسلمين الذين يهتفون: “على القدس رايحين شهداء بالملايين”.

 

 

 

 

 

 

 

الأمل لا يغيب

لقد ظلت قضية فلسطين مغيبة عن الشعوب العربية والإسلامية فترات كثيرة من الزمن، لولا الجهود الذي بذلها الصادقون أمثال حسن البنا ومصطفى السباعي والملك فيصل وأمين الحسيني وعز الدين القسام وأحمد الياسين وفتحي الشقاقي وغيرهم الكثير، ولولا ما قدمته جماعة الإخوان المسلمين من جهود التوعية والجهاد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وإن التاريخ شاهد أن فلسطين لم ترَ تنفسًا وقوة على مدار قرن من الزمان سوى في تلك الشهور القلائل التي حكمها الرئيس محمد مرسي، كانت تلك السنة ناقوس خطر مهدد للمؤامرة الصهيونية أمام تخاذل جميع حكام العرب والمسلمين إلا القليل القليل، لقد قدَّم مرسي في تلك السنة لغزة وفلسطين ما لم يقدمه حكام العرب والمسلمين منذ سنين، وإن غاب عنك ذلك فلم يغب هو عن اليهود والصليبيين.

 

 

 

 

 

 

إن أخطر ما تواجهه الأمة الآن، محاولات تغييب الوعي وقلب الحقائق وتشويه القضية؟

 

 

 

 

 

 

 

والأخطر من ذلك أن من يقوم بمحاولات التغييب والتشويه بعض من حكام العرب والمتصهينين من الإعلاميين والمثقفين، يتزعمهم ‫‏السيسي وسحرته و ‏بشار وشبيحته و‏المالكي وشيعته وخونة العرب الذين باعوا دينهم وآخرتهم بعرض زائل من الدنيا.

 

 

 

 

 

 

 

إن فلسطين الآن تمثل مرحلة جديدة في تاريخ الأمة، مرحلة التمحيص الكبير والتميز العظيم، مرحلة فاصلة تسبق التميكن والفوز المبين إن شاء الله.

 

 

 

 

 

 

فإنه رغم الألم والجراح والدماء، يبقى الأمل في الله كبير، ويبقى مع ذلك الأمل، ذلك السؤال: ماذا قدمت لدينك ؟ ماذا قدمت لفلسطين؟ ماذا ستقول لربك غدا عندما يشتكيك أطفال المسلمين في سوريا وغزة وبورما ؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد