أيام قليلة تفصلنا عن نهاية هذا العام، ومن خطة نمو اقتصادي مفرغة من الكيان السياسي، والسيادي الفلسطيني (صفقة القرن) إلى الشروع في إنهاء ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، وذلك بإشهار التطبيع علنًا.

فما إن قامت الامارات والبحرين بإشهارها للشراكة الاستراتيجية تبعتها السودان ومن بعدها المغرب منذ أسبوع، فضلًا عن بعض التمهيدات الايجابية القادمة بشأن علاقة إسرائيل مع بقية الدول العربية والإقليمية. لينهي ترامب ولايته بتنفيذ جزء من صفقة القرن، والتي كان هدفها الأول إدخال الدول العربية والإسلامية، واستدراجها للانخراط في عملية التطبيق، والإكمال لهذه الصفقة.

لقد جاءت صفقة القرن برسم تصور شامل، وذلك لإعادة ترتيب الوضع الإقليمي بما يتناسب مع أمريكا وإسرائيل لوضع بما يسمى «التحالف الجديد» القائم على إسرائيل ودول عربية «معتدلة» لتكون عملية فرز وترتيب الدول العربية بشأن مكانة فلسطين واقعيًا، هي بمثابة إعلان للعرب أنفسهم، وللأجيال القادمة لاحقًا، لأنه فيما مضى كان التطبيع يجري بين هذه الدول وإسرائيل في السر وقليل من العلن. أما اليوم فقد حددت إسرائيل البوصلة الفعلية التي وصل إليها العرب بشأن القضية الفلسطينية، وفي شأن مقاطعة ومقاومة إسرائيل اللذين هما وجهان متلازمان لمقاومة الاحتلال بحسب وصف الدكتور تيسير خالد عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. لنجد أن أسوأ معادلة هي المعادلة التي يريد أن يفرضها علينا المشروع الصهيوني بأن نختار بين مصالح الوطن وأمنه واستقرار اقتصاده، وبين فلسطين والإيمان بما جاء به الله في القرآن الكريم بشأن قضية استخلافهم، وأنهم شعب الله المختار، وقضية توريثهم الأرض المقدسة.

إن رياح المقاطعة اليوم أصبحت تسير في اتجاه معاكس إذ لم تعد سياسة رسمية تحرص الحكومات العربية على تلبية متطلباتها، والتطبيع بدأ يأخذ سمات القوة في موقف بعض الدول المطبعة، كذلك اللقاءات السرية والمعلنة بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين عرب منذ زمن لم تعد تعكس نمط العلاقات العدائية، وعلى ما يبدو أن هذه العلاقات في الوقت ليس بالبعيد سوف تنمو وتتطور بمعزل عن الفلسطينيون إذ لن يكونوا جزءًا منها.

وبعزل فلسطين عن المسار العربي وقبول إسرائيل كدولة وقوة معترف بها، هل أغفل العرب والمسلمون وضوح نصوص القرآن الكريم بشأن مسألة توريث اليهود للأرض المقدسة؟

إن المفكرين الصهاينة الأوائل لم يجرؤوا على الحديث عن القدس، خاصةً أن الخلافة العثمانية كانت وصية على المسجد الأقصى.

ولا يمكن للدعوات اليهودية أن تتمادى في مسألة الحديث عن القدس، خاصةً أن السلطة العثمانية المسلمة هي حامية للقدس والمقدسات الاسلامية، وفي عام 1862 ميلادي بدأ الحديث عن القدس بكتاب المفكر الألماني موس هي « روما والقدس» وهنا بدأ التركيز على مفهوم العودة اليهودية مستفيدًا من مقولات النبي اشعيا التي تقول «أن الرب غفر خطايا إسرائيل وأنه يعد اليهود بإقامة مجده الرباني في القدس» ويكمل «ولكي نبعث الأمة اليهودية إلى الحياة ثانية يتوجب علينا أن نبقي فكرة البعث السياسي لأمتنا حية أولا وأن توقظ هذا الأمل، حيث بدأ يغط بسبات عميق ثانيًا. وعندما تتهيأ الظروف السياسية في الشرق لدرجة تسمح لتنظيم عودة الدولة اليهودية للحياة تكون هذه العودة بتأسيس مستعمرات في أرض أجدادنا ولا شك أن المساعي الفرنسية تمد لنا يد العون».

وإن ناحوم غولدمان الذي شغل العديد من المناصب لدعم الحركة الصهيونية، والذين كان من المبادرين إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين، قد اعترف أن عددًا من الحاخامات اليهود أكدوا خاصة بعد عام 1967 عندما ضم الكيان الصهيوني القدس أنه لا وجود لنصوص تلمودية تأمر وتنهي بشأن ضم القدس.

ومن حيث إن الصراع اليوم لم يعد عربيا، أو قوميًا. ولكن إغفال المسلمين عن كونها قضية دينية أولا وقبل الإجابة عن سؤالنا أردت التطرق لبعض الدلائل الدينية في القرآن الكريم، التي تنفي كافة دعواهم بشأن قضية استخلافهم من قبل الله تعالى وبشأن أحقيتهم في الأرض المقدسة، خصوصًا أن العالم العربي والإسلامي يشكو من تدهور مستمر في جميع المجالات تحديدًا الدينية منها، وذلك بسبب التحديات العديدة التي واجهها.

إن القدس في العقيدة الإسلامية وبحسب كافة التفاسير المستندة على السنة النبوية أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومع نزول سورة الإسراء على النبي محمد في وقت مبكر من البعثة التي خصها الله بمحمد عليه السلام، بدأ الاهتمام بالقدس من الجانب الإسلامي، وفي الواقع أن هنالك الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الأنبياء وعن علاقتهم بأمكنة العبادة التي كانوا يمارسون عبادتهم فيها.

إشارة الله إلى الأرض المباركة

لقد خص الله سبحانه المسجد الأقصى وما حوله بالمباركة. فإبراهيم ولوط قد نجاهم الله إلى جزء من الأرض المباركة وإقامة إبراهيم في الخليل التي لا تبعد عن القدس كثيرًا وتنقل إلى الحجاز ومصر ثم عاد ليدفن بعد موته وأن رحلة إبراهيم من الخليل إلى الكعبة وهي ما ينفيه اليهود في توراتهم دليل هام على البرج بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى الذي يعتبر مركز الأرض المباركة، كذلك رحلة محمد عليه السلام من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى هي إسراء سماوي وهنا يكمن اكتمال الدائرة القدسية بين رحلة إبراهيم من الأرض المباركة إلى المسجد الحرام ورحلة محمد من المسجد الحرام للأرض المباركة. فقال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). (سورة الإسراء: الآية:1)

استخلاف الله لليهود مزاعم باطلة

إن التمعن في سورة البقرة تحديدًا يوضح الدور المحوري الذي كان لأكثر بني إسرائيل من فساد ونفاق، إضافة لتحذير الأمة الإسلامية أن تسلك مسالك اليهود فتكون عاقبتهم بسخط من الله. وكون اليهود يرون أنهم شعب الله المختار، نجد في سورة البقرة القوانين الإلهية في القرآن التي تحكم ذلك وتوضح بشكل قطعي أن الله لا ينحاز لأمة دون الأمم أو لشعب محدد مما ينسف مزاعم الصهيونية في حق الهي لهم فقال الله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتي التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ). (سورة البقرة: الآية:40-41)

لتكون الآيات واضحة لا شك فيها، فإن الله قد اشترط على بني إسرائيل الوفاء بعهدهم إلى الله من الإيمان به والإيمان يرسله وإقامة شرعه، فإذا حصل هذا فإن الله يوفي بعهده معهم ، والذي هو تشريفهم بخدمة دينيه ورضاه عنهم وليس بتوريثهم الأرض المقدسة وما يدعم صحة هذا هو قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ *يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ). (سورة المائدة: الآية: 20-21).

فمعنى قوله تعالى: أن الله كتب لكم أن تدخولها ولم يقل الله تعالى كتبها لكم إذا إن عدم وجود الهاء في فعل كتب هو تأكيد على أن الكتابة لم تعد لهم ولم تصبح الأرض المباركة ملك، أو ورث لهم. إضافة إلى أنهم لم يدخلوا أصلا فقالوا انهم لن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرجوا منها والمقصود هنا الكنعانيون والعملاقة واليباسيبون فقد كانوا من القوم الجبارين وإرادة الله بدخولهم ماكانت إلا كما قال تعالى: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (سورة الأعراف: الآية: 145).

وفي العودة لشروط الاستخلاف فإن اليهود قد رفضوا الإيمان بوحي الله للبشر أجمعين وهو القرآن وكذبوا محمد عليه السلام فقال تعالى: (وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُواْ الصَّلوةَ وَآتُواْ الزَّكَوةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النّاس بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (سورة البقرة:الآية:40-44).

وفي الواقع أنهم كانوا بانتظار وحي السماء فهم يعلمون بهذا الحق ولكن ما كان انتظارهم إلا خشية على ملكهم خاصة في مسألة انتزاع الملك والنبوءة من أبناء سارة ووضعها في أبناء هاجر، فقد تمالكهم بذلك الغيظ والحسد كما تملك إبليس. وهنالك الكثير من الآيات التي تبين شأن علوهم على بقية الأمم منها، قال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). (سورة البقرة: الآية: 80-81).

فضلاً عن تحويل القبلة التي هي رمز لتحويل النبوءة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل، وذلك بعد نقض عهود بني إسرائيل مع الله، لنجد أن رؤية الصهاينة لوعد الله بأرض كنعان ما هو إلا آمال وتطلعات لتحويل الدين إلى أداة ملكية فيما أن الله بقوله يؤكد في (سورة الأنبياء من الآية 105-107)، على أن الأرض يرثها عباده الصالحون.

وفي نهاية هذا الوعد المزعوم اورد ما جاء به الله تعالى في القرآن الكريم (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). (سورة البقرة: الآية: 124)

إن أولى الناس بإبراهيم هم أهل التوحيد، ومن اتبعه وآمن به وبالله، وهذا ما يثبت أن اليهود ليسوا الأحق بالأرض المقدسة من الناحية الدينية، وذلك لما سعوا خرابًا في الأرض من قتل وإزهاق وكفر وتجبر.

ولعل الإجابة أصبحت شبه واضحة، فإن أهمية القضية الفلسطينية قد ألقيت على عاتق ما سيحصل من وعد إلهي، ولم تعد غالبية الأمة الإسلامية ولا العربية تكترث سوى لمصالح تسعى إسرائيل لزج العرب والمسلمين داخلها وتعليق المناهج التربوية والتعليمية لكي تنتهي المعركة الدينية في المجتمعات العربية، وخاصة مع استدارة بعض المسلمين عن تثقيف أولادهم دينيًا وتراجع التراث الإسلامي.

‏وفي النهاية لن أضيف أكثر من جزء لما وصفه محمد الغزالي المفكر الإسلامي ملخصًا أحوال المسلمين في الأزمات التي عاشوها وما زالوا إلى اليوم محاصرين بها فيقول: «أمة هي خمس العالم من حيث التعداد، تبحث عنها في حقول المعرفة فلا تجدها، في ساحات الإنتاج فلا تحسّها، في نماذج الخلق الزاكي، والتعاون المؤثر، والحريات المصونة، والعدالة اليانعة.. فتعود صفر اليدين! بماذا شغلت نفسها؟».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد