التنسيق الأمني أحد معوقات حركة الداخل الفلسطيني

يشعر المرء بقبح المرادفات عندما يعجز عن طرح مُسمّىً ما، بعد بحثٍ مُضنٍ أو مصادفةٍ في الإستراتيجيات، أو دلالات منطقية تقابل فعل سياسي محدد، في ظرف مكانٍ وزمانٍ محددين، وأجدني من فوري أتساءل، لماذا التنسيق الأمني؟ ولماذا السعي له عند كل مناسبة؟ وأنَّىَ لمُمَثل المسْتَعَّمَر الفلسطيني أن يُنسِق أمنيًا مع المُستعَمِر الإسرائيلي؟ وأَنَّىَ له أن يعتاش منها ويقتات بها في خطابه الإعلامي تبجُحًا وتملُقًا؟ وكيف له حبس وخنق حركات المواجهة في الداخل الفلسطيني؟ أرى إجابة الهِررة التي لديهم القدرة على رؤية أشياء تتجاوز حدودنا البشرية، لكنها عاجزة عن إيجاد نموذج منطقي لتأويلها!

اتفاقية مخيم داود واستنتاج غير مُعلن

إذا ما دققنا النظر وأمعنا التفكير بُعَيد اتفاقية 1979 في حركة الكيان الإسرائيلي على الأرض، عسكريًا وسياسيًا، فَسنَخّلُص إلى استنتاج غير مُعلَن بالاتفاقية سالفة الذكر، أن المدني الإسرائيلي له الحق في أن يتحول عسكريًا في مواجهة المدني الفلسطيني، وأن لإسرائيل حرية العدوان بُغية التوسع في المنطقة دون قيدٍ أوشرطٍ من دول الطوق، تتقدمهم الدولة المُعاهِدة (مصر) ونادي الخمسة الكبار، ودول المركز، فقط بالنظر إلى الخريطة الديموغرافية ومرات العدوان على أهل فلسطين ومقدسات الأمة ستتحقق الرؤية.

النُخَبْ الفكرية والدعوة إلى التطبيع

كما أنه حق علينا فضح أول من أيدوا قرار التقسيم، ومخرجات القرار 242 من أولئك الذين مارسوا العمل السياسى، تحتم علينا الأمانة التاريخية الكشف عمَّن دعوا إلى التطبيع واشتغلوا لأجله من النُخب الفكرية والأدبية، يتقدمهم قامات مؤثرة في النسيج الثقافي العربي بشدة، مثل توفيق الحكيم، وحامل نوبل في الأدب نجيب محفوظ الذي خان المعلومة والتاريخ والمعرفة وضمير الكلمة وغالىَ في تملق وتأييد النظام السياسي الحاكم وقتئذ، وتجلى هذا في حوارٍ أعده (صلاح عيسى) تحت عنوان (نجيب محفوظ يحاور سبعة أدباء معارضين ومؤيدًا واحدًا) هو ثروت أباظة. والستة الآخرون هم سليمان فياض، د عبد المحسن طه بدر، جمال الغيطانى، جميل عطيه، ولطفى الخولي الذي بدأ مُعارضًا وانتهى مؤيدًا للتطبيع، نُشر الحوار في جريدة (الوطن) الكويتية على حلقات عدة من 26 فبراير (شباط) 1980 إلى 26 مايو (آيار) من نفس السنة لمن أراد مراجعة تفصيلاته، يكفينا هنا سرد بعض أُطروحات نجيب محفوظ المعبرة عن رؤيته (أن الإسرائيليين يفتقدون للأمان نتيجة وجودهم في جو عدائي واضطهادهم الطويل، وأن تطبيع العلاقات سوف يزيل هذا الشعور، ويسمح بالتالي بمزيد من التفاهم والتبادل حول الموضوعات المختلف عليها بين الدولتين، لقد حاولنا تغيير الواقع فدخلنا كل الحروب، والمخيف أن خسارتنا في محاولة تغييره أفدح مما لو تركناه كما هو).

نجيب محفوظ وتغيير المناهج التعليمية

الجدير بالذكر أن نجيب محفوظ قد نادى بتغيير المناهج التعليمية لتواكب التطبيع، وكم كان هذا المطلب من الخطورة بمكان! ليس فقط من ناحية إحداث الخلل في البناء الفكري المجتمعي، بل لأنه صادر من شخصية سامقة في الوسط غير هامشية.

المراكز والمؤسسات الكبرى التي لعبت في المنطقة

واقع الأمر أن مؤسسات كبرى كانت لها السبق في مجال الدراسات الخاصه بالمنطقة ومن أهمها، مؤسسة (روكفلير) التي تعمل منذ الحرب العالمية الثانية، ومؤسسة (راند) الذى برز نشاطها منذ السبعينات في مجال الدراسات الفلسطينية والإسلامية، معهد (أونل دانجمان)، المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة ويُعَدّ أحد أخطر المخرجات لمعاهدة السادات في مصر والوطن العربى، الذي أنشأه الكيان الإسرائيلي سنة 1982، والذي قام بدور مرعب في تزييف الوعي المصري والعربي.

أبحاث ودراسات تتبين خطورتها من عناوينها

ساهم المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهره في إنجاز العديد من البحوث منها، الأصول العرقية للمجتمع المصرى، كيفية تفتيت مصر طائفيًا، وظهر هذا جليًا إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في إرباك الداخل المصرى، تأثير الإسلام في العقل العربي، قضايا التعليم والزراعة واستصلاح الأراضي، حياة البدو والبربر وكيفية السيطره عليهم، كما قامت إسرائيل من خلال المركز الثقافي الأمريكي ببعض البحوث الخطيرة في مصر بواسطة اليهودي الأمريكي الصهيوني (ليونارد بانيدو) هذه الأبحاث تدور حول رؤى الصراع العربى الصهيوني، بدو مرسى مطروح، كما قامت المؤسسات الأمريكية الصهيونية ببعض البحوث منها على سبيل المثال، التغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط، القومية والقضية الفلسطينية، التنبؤ في الأقليات بالوطن العربي، المجتمع والبناء السياسي في الوطن العربي، العلاقات المدنية العسكرية في الوطن العربي، الفكر السياسي للعمال في مصر، وغيرها، ومن عناوينها يتلمس المرء خطورتها، والواقع الراهن يؤيد بشدة كيف أن هذه الدراسات تحولت إلى خطط لهدم البنية الاجتماعية واستهداف بناء الفرد العربي لما يخدم الوجود الإسرائيلي، ويقيد أي مشروع نهضوي تحرري في المنطقة، والمشهد في اليمن وسوريا خير شاهد ومثال صارخ.

إسرائيل ونسيج النظام العالمي

الأمر معقد حيث إن الكيان الإسرائيلى جاء ضمن سياقات وترتيبات نشأت النظام العالمي الذي برز عقب الحرب العالمية الثانية، وضمن نسيجه، كما أن دول الطوق المطوقة لإسرائيل تحكمها نُظم صُنِعَت أيضًا ضمن هذا النسيج، مصر بنظامها العسكري، سوريا بنظامها العلوي، لبنان ذات الخليط الشيعي المسيحي، والأردن يملكها أب عربي وأم بريطانية.

هل تساهم إسرائيل في إحياء القضية الفلسطينية

وبالرغم من كل ما سبق سرده تساهم إسرائيل من حين لآخر في إحياء القضية الفلسطينية وإحياء التعاطف الشعبوى معها محليًا وإقليميًا وتوقدها من جديد كلما خبئت، بعدوانها على مقدسات المسلمين في فلسطين بوعي أو دون وعي، وتخسر سياسيًا رغم الدمار البنيوى التي تحققه من آن لآخر، كما يبرز القضية للأجيال الجديدة التي تسعى إسرائيل لشطب ذاكرتها وغسل أدمغتها، وأن الصراعات العسكرية الحديثه أثبتت، أن التفوق التقني العسكري الذي يفتقر للإيمان، يفقد أسباب النصر، وأن هناك ميكانزمات عسكرية لا تعتمد على الآلة العسكرية بقدر إيمانها بعدالة قضيتها ولو اجتمعت عليها كل الأمم، والأمثلة دامغة صارخة في هذا الصدد، مثالًا لا حصرًا المقاومة في فلسطين، الحرب على أفغانستان، المقاومة العراقية التي تشكلت إبان الغزو الأمريكي على العراق، حرب فيتنام، حتى المقاومة في سوريا ضد نظام البعث في معظم حالاتها كانت متقدمة واقتربت في هجومها من القصر الأموي في دمشق، إلا أن العهر السياسي الغربي، وبعض دول الجوار، حال دون تحقيق ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد