حين كنت طفلة بعمر السبع سنوات قتل محمد الدرة، كل أبناء جيلي كانوا أطفالًا حينها وجميعنا نتذكر ذلك الألم الذي اختزلته صورة لم تمحها ذاكرتي لأب يخبئ ابنه خلفه ليحميه، أب ما أراد شيئًا سوى أن لا يمس طفله بأذى كأي أب آخر، وحين استشهد ذلك الطفل علمنا أن لنا قضية لا بد أن ندافع عنها حتى تنتصر، وإن كان ذلك فقط برسم العلم الفلسطيني على كراساتنا، ارتداء الكوفية وقراءة المواضيع عن فلسطين في الإذاعة المدرسية، بقي ذلك الألم بداخلنا لم تمحه السنين ولم تغيره المحاولات الفارغة الفاشلة لتغيير مبادئنا ومشاعرنا تجاه احتلال فلسطين الأبية، كبرنا ومرت الكثير من الحوادث المشابهة وكبر ذلك الألم والغضب العربي يومًا بعد يوم، اليوم نحن نعايش الغضب ذاته ولكن بشكل أكبر، غضب زرعته صرخات الأطفال الفلسطينيين والأمهات على أبنائهن من الشهداء، غضب تولد وكبر كلما رأينا طفلًا لا يملك من القوة شيئًا سوى حجارة يدافع بها أمام الدبابات عن نفسه ووطنه بكل ما يملك من إيمان وصمود، تاركًا طفولته وأبسط حقوقه في العيش بسلام خلفه فكلها مجرد شعارات لم يرَ منها شيئًا يتحقق، اليوم شعرت أنا ومئات غيري بذلك الغضب، حاولت الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي لمدة يومين لعلي لا أرى ما سيؤلمني وتعمدت ألا أتحدث عن الأمر، ولكن ذلك زاد ما بداخلي من ثورة على الظلم، وحين قررت أن أتابع وأشاهد ما يحدث على أرض الواقع شعرت بشيء أشبه بالسعادة المختلطة بالألم، نعم السعادة!

في الحقيقة ذلك النضال المستمر وأولئك الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم وجعلوا من أنفسهم جنودًا وحملوا أنفسهم مسؤولية أمان المسجد الأقصى كلها أشياء أسعدت قلبي وجعلتني أشعر بالفخر، ذلك الشباب الذي ترك كل شيء ومضى في طريقه يدافع عن أرضه وتلك النساء اللاتي كن كالجبال لا يزعزع ثقتهن بالله وبالنصر شيء، وأولئك الشيوخ الذين مضى بهم العمر وهم يناضلون وما زالوا، هو شيء اقشعر له بدني، شيء تحركت له مشاعري أنا والكثيرين حين رأيناهم يفدون الأقصى بأرواحهم غير مكترثين بالعداون الواقع عليهم.

كم رغبت وأنا طفلة برؤية أطفال الحجارة الذين طالما سمعت عنهم، كان الفضول يقتلني لأرى أولئك الذين ظننت في صغري أن قلوبهم خلقت مختلفة عن الجميع، لا تهاب الموت حتى حين يقترب منها، لا تنحني ولا تخضع، لا تيأس ولا تمل وإذ إنهم الآن كبار يقفون بالمرصاد للعدو الصهيوني ويبثون الرعب في قلب المحتل، وإذ إنهم فعلًا لا يتسلل الخوف إلى أفئدتهم كما قد سمعت عنهم في صغري، باقون على وعدهم وعهدهم لأرضهم.

كبرنا وكبرت القضية وانتشرت الحقائق أكثر مع وجود الميديا وصار العالم بأكمله شاهدًا على أحداث حي الشيخ جراح وعرف الذي لا يعرف أن تلك الأرض مغتصبة، محتلة، تنتفض كل يوم وتنتظر منا كشعوب عربية وقفة أخوة وضميرا لايغفل عن الظلم ولا ينساه وأنها ما كانت ولن تكون سوى للشعب الفلسطيني الحر الذي وصل صوته اليوم لكل العالم وبكل اللغات.

اليوم أريد منكم وتريد منكم فلسطين أن تربوا أبناءكم على حبها واحترام نضال شعبها، أريد منكم الاستمرار على ما كبرنا عليه من تمسك بها ودفاع عنها وأن تعلموهم أن هناك قضية كانت قضيتنا وقضية آبائنا وأجدادنا وغدًا ستكون قضيتهم، علموهم أن من باع قضيته خسر نفسه قبل كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد