أنشأ الصهاينة بفلسطين «الهستدروت» وهو نقابة العمال اليهود يأتي تمويلها من الوكالة اليهودية، وكانت وظيفتها السعي للحلول محل العامل الفلسطيني والضغط على أصحاب العمل لمنعهم من توظيف العرب. كان بن غوريون رئيسها، وكانت جولدمائير عضو بارز فيها، وشكلت «الهستدروت» بعد ذلك عصابات الهاجاناه التي كانت وظيفتها الدفاع عن المستوطنات والهجوم على كل من يقوم بتوظيف عمالة عربية، كانت الهاجاناه تمارس العنف المنظم من تحطيم واجهات محلات وإحراق بضائع واعتداءات بدنية وغيرها في حق العامل الفلسطيني ومن يقوم بتوظيفه، وكانت هي نواة الجيش الصهيوني بعد ذلك، ولهذا فالكلام عن الطبقة العاملة الصهيونية بوصفها طبقة عاملة ثورية هو خطأ منهجي، فالطبقة العاملة الإسرائيلية جاءت نتيجة طرد العمل الفلسطيني وهذا التناقض يضعها دائمًا في صف البرجوازية وليس البروليتاريا.

كما سن الانتداب البريطاني العديد من القوانين لتسهيل نقل ملكية الأراضي الفلسطينية للوكالة اليهودية، حيث كان كامل ملكية اليهود لأراضي فلسطين قبل الانتداب يقل عن 1% من حجم أرض فلسطين، ليزيد إلى 607% عند النكبة، بلغت نسبة ما اشترته الوكالة من الفلاحين تحت ضغط قوانين حكومة الانتداب والاستدانة والمراباة والضرائب حوالي 904% فقط من الزيادة بينما جاء الباقي وهو حوالي90.4% من كبار الملاك والملاك الغائبين وأراضي مشاع بلا عقود وضع الانتداب يدها عليها بحجة «المنفعة العامة» وطرد المزارعين منها.

في مواجهة كل هذا قامت العديد من الانتفاضات العربية الفلسطينية لمواجهة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية، وكان لدي عرب فلسطين إحساس قوي بأن هناك مخططًا لعمل وطن قومي لليهود بفلسطين.

قامت انتفاضة في 1920، وثورة البراق في 1929، وحركة القسام من 1932 وحتى 1935، والثورة العربية الكبرى في 1936 والتي استمرت لثلاث سنوات واكبها إضراب عام ضخم استمر لـ6 أشهر، وبطولات عديدة وقت التهجير في 1948 رغم ضعف التسليح، ولكن غياب القيادة الثورية كما سنذكر لاحقًا، بالإضافة إلى القمع الرهيب الذي تعرضت له من قبل جيش الانتداب البريطاني ساهم في كسر الثورة وهزيمتها في النهاية.

ويكفي أن نعلم أن الجيش البريطاني استدعى 24 ألف جندي إضافي للمساهمة في قمع الثورة، وإن الانتداب البريطاني هو أول من انتهج سياسات قصف بيوت الفلسطينيين المقاومين وهدمها، ليستشهد مع نهاية الثورة 5 آلاف فلسطيني، ويصاب فوق الـ14 ألف، وكان هناك تقريبًا شاب من كل 10 شباب فلسطيني مقتولًا أو مصابًا أو معتقلًا، ومن الجدير بالذكر أن الجيش البريطاني، الذي قمع الثوار الفلسطينيين بحجة حماية اليهود في 1936، لم يحرك ساكنًا عندما هاجم المستوطنون الصهاينة العرب وطردوهم في نكبة 1948، بينما لا يزال الانتداب البريطاني قائمًا.

كانت قيادات الفلسطينيين في ذلك الوقت من كبار العائلات الإقطاعية المهادنة التي كانت تضع أملًا كبيرًا على التفاوض مع السلطات البريطانية لتحقيق الجلاء ووقف تهجير اليهود إلى فلسطين، وكانت بين هذه العائلات تنافسات سياسية واقتصادية وتجارية خلقت بينهم كراهية شديدة وظفها الانتداب وعصابات الصهاينة لصالحهم، كما كانت قيادات الدول العربية في ذلك الوقت هي الأخرى تحاول مهادنة الإنجليز ومطالبة الثوار بالهدوء وانتظار نتائج اللجان مع بريطانيا، ويكفي أن نعلم أن الملك فيصل ملك الأردن كان قد وقع اتفاقية مع وايزمان في 1919 تنص على حق اليهود في إنشاء وطن قومي بفلسطين، ولكنه اشترط بخط يده في الوثيقة أن تساعد بريطانيا العرب في عمل دولة لهم، وهذا يبين مدى التنازل الذي كان قد قدمه الزعماء العرب منذ البداية للصهيونية، وكيف كانوا يضعون كل رهانهم على الإمبراطورية البريطانية.

وحتى اليسار، متمثل في الحزب الشيوعي الذي كان موجود وعضو في الكومنترن بفلسطين منذ 1921، ورغم أن قرارات الكومنترن في 1920 و1921 كانت واضحة في العداء للصهيونية وأفكارها، وضرورة تشكيل الحزب من يهود والعرب، إلا أن تأثيرات الصهيونية كانت متوغلة في الحزب، ولم ينضم له سوى عدد قليل من العرب، كما كان لصعود ستالين صاحب النزعة القومية، وتخبط الكومنترن بين قرارات التحالف الوطني في الصين ثم السير بمعزل عن باقي الشيوعيين في ألمانيا وغيره من القرارات، كل هذا أدى في النهاية إلى انقسام الحزب إلى واحد يضم العرب وآخر يضم اليهود، ثم دعم الاتحاد السوفيتي لقرار التقسيم، والذي اتبعه كل الأحزاب الشيوعي بالمنطقة العربية، فكانت هذه القيادة اليسارية المتخبطة بالطبع لا تستطيع قيادة الثورة العربية وما تلاها من أحداث، ومن المفارقات أن يكون الاتحاد السوفيتي هو أول دولة تعترف بقرار التقسيم، ليس هذا فقط بل هاجم تردد الولايات المتحدة في الاعتراف بالقرار ووصفها بمعاداة السامية واليهود.

كما يكفي أن نعلم أن عصبة التحرر الوطني الشيوعية الفلسطينية، بناء على تعليمات الاتحاد السوفيتي، اتهمت الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في 1948 بالعنصرية والاحتلال والعداء للسامية والوقوف ضد التحرر الذاتي للشعب اليهودي والشعب الفلسطيني! وهذا جزء من قرار اللجنة المركزية بخصوص قرار التقسيم نشرته جريدتها في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 1948 (جمع وسيم وجدي)

2- أصبح من الواجب أن یناضل حزب الطلیعة، حزب الطبقة العاملة، في سبیل حق القومیتین العربیة والیھودیة بالاستقلال والسیادة القومیة على أساس المبدأ الماركسي اللینیني لحق تقریر المصیر، باعتبار ھذا النضال جزءًا غیر منفصل عن النضال ضد الاستعمار.

3- إن المغامرة العسكریة التي قامت بھا جامعة الدول العربیة في فلسطین ھي استمرار لسیاستھا العنصریة القدیمة التي لا یمكن أن تخدم إلا مصالح المستعمر. وھا ھي نتائج المغامرة العسكریة أكبر دلیل.

على صدق ھذا التقدیر. لقد تبیَّن الآن بصورة لا تقبل الجدل أن تنفیذ قرار 29 نوفمبر (تشرين الثاني) ھو الطریق الوحید الذي بقيَ أمام فلسطین للتخلص من سلطة الاستعمار وعبودیته وإرجاع السلام إلى فلسطین.

٥- إن قوات احتلال الحكومات العربیة قد عطلت جمیع الھیئات والمنظمات، ولكن عصبة التحرر الوطني لا تزال تعمل في أقسى الظروف وأحلك الأوقات.

٦- والیوم، اعتمادًا على ھذه الحقائق كلھا، فإن سیاسة عصبة التحرر الوطني ھي النضال في سبیل تنفیذ قرار منظمة الأمم المتحدة، أي النضال في سبیل إنشاء الدولة العربیة في الحدود التي قررتھا لھا منظمة الأمم المتحدة: دولة متحررة من جمیع قوى الاحتلال الأجنبیة. وذلك لتمكین سكان ھذه الدولة من التمتع بالحریة والاستقلال والسیادة التامة، في سبیل دیمقراطیة الحكم في الدولة العربیة المنشودة، في سبیل السلام والإخاء وإنشاء الوحدة الاقتصادیة بین الدولة العربیة ودولة إسرائیل، في سبیل المحافظة على استقلال دولة إسرائیل ودیمقراطیة الحكم فیھا.

وهنا أحب أن أختم بملاحظتين، الأولى هي أنه عند إعلان قرار التقسيم كان عدد اليهود بفلسطين لا يتخطى 8% من عدد سكان فلسطين يمتلكون 607% فقط من إجمالي أرض فلسطين، وذلك بعد أن تضاعف عددهم عشر أضعاف بفعل الهجرات المتوالية وتم عمل كل ما يمكن عمله من قبل حكومة الانتداب البريطاني لتوطينهم وتمليكهم الأراضي، والثانية أن عدد اليهود في فلسطين كانوا 6% فقط من يهود العالم، إذن لم يكن الصهاينة أغلبية في فلسطين ولا بين يهود العالم، ولا كانوا حتى يملكون الأغلبية من أراضي فلسطين.

وبعد كل ما سبق أرجو أن أكون قد أوضحت لماذا فلسطين هي البوصلة؟! فالقضية الفلسطينية ليست صراعًا دينيًّا، ومن يصدرون هذه الفكرة يدعمون بشكل لا واعي الصهيونية العالمية وخطابها، ولكن القضية الفلسطينية هي أكثر قضايا العالم تمثيلًا لسوءات النظام الرأسمالي، فقد قامت الصهيونية على أساس معاداة السامية ومحاولات تصدير الأزمة ليهود أوروبا وإقصائهم، وقامت إسرائيل على أساس إقصاء العامل الفلسطيني والمواطن الفلسطيني لصالح العامل الصهيوني، وأخيرًا فأوروبا التي تمثل التنوير والحضارة في عقول البعض هي التي رفضت فلسطين الديمقراطية البرلمانية من أجل خلق دولة صهيونية تكون كلبًا للاستعمار بالمنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد