هل يصير دمي – بين عينيك – ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ..
تلبس – فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!

شئنا أم أبينا، تظل الأعمال الدرامية والسينمائية أداة ثقافية إعلامية مؤثرة بشدة في تشكيل الوعي الجمعي للشعوب، وتعدها الحكومات جزءًا مهمًّا من أدوات القوى الناعمة التي تستخدمها لتوصيل رسائل معينة تتسلل بخفة أحيانًا، وبكل فجاجة في أحيان أخرى، لتشكل صورة محددة لقضايا تمس وجودها نفسه، وتهدد بقاءها وسيطرتها على مقدرات الأوطان، حتى وصل الأمر لإصدار فتاوى تحث على مشاهدة تلك الأعمال، وإطلاق اللجان الإلكترونية، تمجِّد وتضخِّم من حجمها وعظمتها، وتخوِّن من لا يشاهدها، وتضعه في جانب العدو الشرير!
وتتنوع أهداف الدول من وراء هذه الرسائل بين زرع خلاف وفتنة بين أطياف الشعب، وتسفيه قضية بعينها تشغل الرأي العام، وتدليس لحقائق تهدد وجودها، وكذلك خدمة أيديولوجية معينة تضرب بجذورها في قلب ثوابت لم تكن محل خلاف من قبل؛ فتربي بأفكارها على مر السنوات جيلًا اختلت عنده الموازين، وانقلبت الحقائق، وترسخت عنده تلك الأفكار الخبيثة التي تفتُّ كالموج في الصخور دون ملل.
عندما كنا صغارًا كان عدونا معروفًا، تشير الأصابع إليه، في الصحف، والروايات، والشعر، والسينما، والمسرح، والتليفزيون. كانت الدماء طازجة، والجراح تنزف، والقضية مفتوحة مطروحة أمام الجميع، الشعوب التي ذاقت مرارة الحرب ودفعت ضريبتها، تعرف جيدًا من العدو، وكانت القضية قضية وجود وكرامة وثأر.

سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم.

وشيئًا فشيئًا وضعت الحرب أوزارها، وبردت الدماء، وتغيرت السياسات، وأُبرمت الاتفاقيات التي رفضتها الشعوب وأقرها القادة، الذين صاروا كالدمى التي تحركها أيادي العدو من جهة، وتدفعها أطماعها لمزيد من الانبطاح والتردي من جهة أخرى، وتغيَّر معها الخطاب السياسي والأدبي والإعلامي، وعلت أصوات التطبيع في تلك الخطابات.
وهذا العام تهجم علينا شاشات الخزي والعار بمسلسلين هدفهما الأساسي تلميع صورة الصهاينة، والدعوة إلى مساندة الكيان الصهيوني والإقرار بحقه في الوجود على أرض فلسطين المسروقة، وتصف المقاومة بالإرهاب، وتصف الفلسطينيين بأنهم ينكرون الجميل، بكل بجاحة ووقاحة، تلك الأعمال الشيطانية تموَّل بأموال عربية، وتصوَّر على أرض عربية، وتبث على شاشات عربية، وتساندها وتؤازرها أقلام عربية على مواقع التواصل الاجتماعي، ليخرج علينا الوسم المشبوه: «فلسطين ليست قضيتي»، نعم هي ليست قضيتك بالتأكيد؛ فهي حرب ونضال للأحرار فقط، وأمثالك من المخنثين لا يعرفون معنى الحرية والكرامة والعِرض.

لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
«.. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام..»
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟

في المقابل خفتت الأصوات التي تشير إلى العدو ولو من طرف خفي، وحين يبرز عمل واحد ليفعل ذلك، يخرج علينا الكيان الصهيوني ببيان يستنكر ويكيل الاتهامات بمعاداة السامية، ونشر الكراهية ضده، وتتحفنا الأقلام المنبطحة مرة أخرى لتهاجم تلك الأصوات، وتقف مع أسيادها مؤيدة ومساندة، تتفاخر بالخيانة علنًا دون خجل، وتقف ضد المقاومة الحرة الباسلة، وهي ترفل في ثياب الذل والخنوع.

هذه الأقلام المشبوهة، والعقول الفارغة صنيعة الخطاب الإعلامي الرسمي الذي مهد للتطبيع وسقاه لنا، مكتوبًا ومقروءًا ومسموعًا ومرئيًّا، وعبارات السلام الدافئ، وتعايش الشعبين، ونقل السفارات إلى القدس المحتلة، ورحلات الطيران من إسرائيل إلى مكة المكرمة، وغيرها من مظاهر الخيانة والانبطاح والتطبيع؛ كل ذلك من أجل احتفاظهم بكراسيهم الهشة، وعروشهم المدنسة.

أصبحت الحرب الآن حرب فكر وأيديولوجيات، ودورنا فيها ألا ندع الأصوات المضللة المدلِّسة تعلو وحدها في الميدان، وعلينا أن نحافظ ونحمي وندافع عن قضيتنا، قضية تحرير الأقصى وهزيمة الاحتلال الصهيوني، علينا أن نتمسك بثوابتنا التي تربينا عليها، علينا أن نعلِّم أولادنا المستهدفين، أن نحمي عقولهم من عبث العابثين، وهو أمر لو تعلمون عظيم؛ فنحن محاطون بتلك الأفكار الخبيثة تتسلل بخسة من حولنا في كل شيء، ولو تركنا هذا الجيل فريسة لتلك الأفكار، لن نأمن وقوعهم في بئر الخيانة، الخيانة التي أصبحت في عالمنا هذا وجهة نظر.

لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد