من القضايا المتنازع عليها منذ عشرات السنين القضية الفلسطينية الإسرائيلية، حيث يدخل فيها الصراع الديني والتاريخي والقومي.. ففئة ترى أن الحق لفلسطين، وأخرى تزعم أن إسرائيل هي صاحبة الأرض والحق، والكثير يضع خططًا مصيرية لحل هذا النزاع في حل للدولتين، أو حل لصالح دولة بالكامل دون أخرى.

فهل بنو إسرائيل هم أصحاب الأرض وإليهم يجب أن ترد الحقوق؟ أم أن القضية تدخل في جريمة ضد الإنسانية لما عاناه الشعب الفلسطيني جراء هذا النزاع؟

المسلمون على علم بأن الله بعث موسى نبيًا ورسولًا في بني إسرائيل لأجل تخليصهم من ظلم وقع عليهم، أراد الله أن يمن على المستضعفين في الأرض، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، أن يعلمهم أن لا معبود غيره، أن يملأ حاجتهم الفطرية للخضوع إلى قوة تهديهم ويتوكلوا عليها فتحميهم، فوجههم إلى اتباع الإله الواحد ليستقووا به وحده ويبث العزة في نفوسهم، ويكونوا أعزة به لا بغيره لأن له العزة جميعًا، فالرسائل السماوية كلها اجتمعت على ضرورة رفع الظلم وإزالة العبودية، وهذا ما سيكون. لا سبيل لعمارة الأرض إلا بالعدل، وفي القرآن يرينا الله كيف أهلك أممًا بسبب الظلم، وكيف أن الظلم جرم عظيم.

العدل قضية الإسلام الكبرى، وقصة موسى مع بني إسرائيل هي أكثر ما ذكر في القرآن، رسالته أن تحفظ للإنسان كرامته، ويصان حقه في التفكير والتعبير ببحثه وعمله، أن يعيش حياة كريمة، أن يكون الجميع سواسية إلا في التقوى التي لا يطلع عليها سوى الله، أن نعمر الأرض، وأن نكون خلفاء فيها بالحوار والجدال والتخطيط، بالفكر والرقي والأخلاق والاحترام.

في التاريخ الإسلامي، انتقلت الدعوة من دعوة الأفراد إلى دعوة الإمبراطوريات لنشر الرسالة؛ لأن الهدف تخليص العالمين من العبودية والخضوع وتعليمهم أن كل من في الأرض سواء، إلا فيما فضل الله، فلا صاحب سمو، ولا صاحب دنو في شريعة الله، فوجب الدفاع عن هذه الرسالة بنفس شدة من حاربوها كون العدل مخيف للطواغيت وجنودهم والمنتفعين من استبدادهم.

انتشرت رسالة الإسلام في معظم البقاع دون أن تؤذي نبات، أو حيوانًا، أو شيخًا، أو طفلًا، أو امرأة، أو مسالمًا.. وشهد العديد من غير المسلمين أن أفواجًا دخلوا الإسلام في بلدانهم إعجابًا بمعاملته وأخلاقه، حيث لم يفرضوا عليهم لغتهم أو دينهم وهم أهل القوة، وإنما وضعت جزية تضاهي نظام الزكاة حتى يكون الجميع سواسية في المجتمع.

أمام هذا كله، كيف لمن يزعمون اتباع رسالة موسى أن يقتلوا أبرياء وأطفال وشيوخ ويخرجوهم من ديارهم بدعوى أن الأرض أرضهم؟ لو أنهم أرادوا دخول فلسطين والعيش بها هل كان أحد ليطردهم؟ هل طردوا من العيش بين المسلمين في الماضي؟ هل سلبهم المسلمون حقوقهم في الدولة العثمانية مثلًا وفي الأندلس؟

هذا الكيان الذي يسمي نفسه إسرائيل حتى تكون له شرعية لبقائه – ومنذ متى كان اختيار الأسماء دليل ملكية وشرعية، وهل إذا سمى شخص نفسه مكي تصير مكة ملكًا له؟ – ويعتمد نجمة سداسية كرمز له باعتبارها نجمة نبي الله داود في حين أن النجمة أيضًا من تراثنا المعماري الإسلامي، ونجدها في فلسطين، والأندلس، والعديد من البقاع، ينشر صورًا تاريخية للتسامح والتعايش قبل عشرات السنين بين يهود ومسلمين في العديد من الدول العربية، ولا يعلم أن هذه الحجة ليست له، وإنما عليه.. فالمسلمون لم يطردوهم ويخرجوهم من ديارهم مثلما هم فعلوا، ولم يقتلوهم مثلما هم قتلوا.. وهناك من اليهود من لا يرضون هذا الكيان ويتبرأون من جرائمه، ويدافعون عن عدالة قضية فلسطين.

إن هذا الكيان اليوم ينسب نفسه لبني إسرائيل وللسامية والحقيقة أنهم لا يطبقون ما أمرهم موسى عليه السلام إذا هم من أتباعه، ولا هم يحترمون السامية التي تضم كل أبناء سام بن نوح عليه السلام الذين منهم العرب والمسلمون. إنهم يقتلون أبناء السامية باسمها.. فما هذا التناقض في مشروعهم الغاصب؟

إسرائيل اليوم تتحالف مع الطغاة، وتصنع طغاة لبناء كيانها وما هذا علّم موسى بني إسرائيل.. كيف لأشخاص أن يقبلوا العيش في هذا الكيان، أو تحت يد أي طاغية في العالم فقط لأنه يأكل ويشرب ويعيش في أمان كالحيوان في الحظيرة دون كرامة ولا رأي ولا قرار في ما يحدث له؟

لن يغلق ملف القضية الفلسطينية حتى يتحقق العدل وتعود الحقوق لأصحابها، ولن يكون سلام مع هذا الكيان المجرم حتى تعود الأرض لأهلها ويطلبوا العفو مِمَن أرهبوا وقتلوا وشردوا إن هؤلاء قبلوا، أما الخضوع والذلة والضعف باسم السلام كلها لا تمثل الشعوب المؤمنة بعدالة القضية.

سيتحقق العدل على أرض فلسطين، وسيتحقق العدل عند باقي شعوب الأرض، وسيمن الله على الذين استضعفوا في الأرض وسيجعلهم أئمة وسيجعلهم الوارثين، فسنته أن الأرض يرثها عباده الصالحون وفي هذا بلاغ للعالمين، وكل ظلم في أي بقعة من بقاع الأرض إلى زوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد