خفايا وتفاصيل بلفورية

بعد التصريح البلفوري الروسي عام 1903، ظهر في نفس العام تصريح بلفوري بريطاني جديد من آرثر بلفور نفسه وكان وقتها رئيسًا للوزراء دعى فيه إلى مشروع توطين لليهود في كينيا، وكان ذلك بهدف منع هجرة يهود شرق أوروبا الفقراء إلى بريطانيا، ونال المشروع يومئذ على موافقة أغلبية أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس.

 في العام 1904 توفي مؤسس الصهيونية اليهودية ثيودور هيرتزل؛ ما أدى إلى إحداث خلل مؤقت في أعمال المنظمة الصهيونية العالمية.

فقد شهدت الفترة التي تلت وفاة هيرتزل صراعًا بين العقائد المختلفة داخل المنظمة أفضى إلى تنافس حاد على السلطة بين الأطراف المتعددة.

فبعد أسابيع قليلة تشكلت قيادة ائتلافية ثلاثية لتصريف شؤون المنظمة وكان تشكيلها دليلًا واضحًا على الفراغ الهائل الدي أحدثه غياب هيرتزل عن مسرح الأحداث الصهيوني.

 وفي نفس العام وصل أكاديمي أصله من روسيا البيضاء، درس في ألمانيا، ثم حصل على الدكتوراه في الكيمياء من سويسرا، وغادر إلى بريطانيا للتدريس في جامعة مانشستر، إنه السياسي الصهيوني حاييم وايزمن، الذي لم يكن يتوقع الصهاينة في ألمانيا وبريطانيا أن يصبح أبرز القيادات الصهيونية بعد فترة لم تتجاوز 15 عامًا.

التقى وايزمن مع رئيس وزراء بريطانيا في العام 1906، آرثر بلفور في إطار حملة بلفور الانتخابية وناقشا مشروع بريطانيا الذي كان على الطاولة آنذاك لتوطين الصهيونية اليهودية في كينيا المعروف بمشروع أوغندا.

فشل المشروع، لكنه أعطى مؤشرًا أن حكومة بريطانيا مستعدة أن تعطي تصريحًا للصهاينة، بل تمنح أرضًا وتساعد في تأسيس وطن لهم ودافع وايزمن عن خيار فلسطين، وعندما سأل بلفور  وايزمن إن كان هناك الكثير من اليهود يفكرون بنفس الطريقة؟

جاب : أنا أتحدث باسم ملايين اليهود! وقد كان كاذبًا؛ لأن الغالبية العظمى من اليهود كانت آنذاك ضد الصهيونية، أو غير مكترثة لها.

زيارة وايزمن إلى فلسطين

في عام 1907، زار وايزمن فلسطين لأول مرة وشارك في تأسيس الاتحاد الصهيوني لشركة تطوير أرض فلسطين بهدف شراء مزيد من الأراضي أثناء الحكم العثماني وتوطين مزيد من الصهاينة الذين يقدر عددهم بـ20 ألف مستوطن يهودي صهيوني، قد وصلوا فلسطين بين عام 1882 –  1907، معطمهم من شرق أوروبا واليمن، واستوطنوا في حوالي 30 مستوطنة.

حصل وايزمن على الجنسية البريطانية عام1910 وبقي يعمل لتقوية صلة الصهيونية بالسياسيين البريطانيبن، إلى أن بدأ الاهتمام البريطاتي الرسمي وتحويل الأفكار إلى واقع مع نشوب الحرب العالمية الأولى، حينها سنحت فرصة فلسطين وجعل فلسطين المحور المستقبل لمخططاتهم ونقطة الارتكاز العالمية للمؤامرة، حينها بدأت بريطانيا تتخلص من الفائض اليهودي وتؤسس دولة وظيفية تحرس مصالحها في موقع جغرافي استراتيجي هام، كما تخدم الفكرة اللاهوتية، أن على اليهود أن يعودوا لتأسيس مملكة الرب وتعجيل الخلاص وعودة المسيح.

في أول اجتماع للحكومة البريطانية بعد إعلان الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914، تم نقاش فكرة الصهيونية، بحضور وزير الخزانة آنذاك، ديفيد لويد جورج الذي كان يعمل منذ أكثر من عقد مع الاتحاد الصهيوني البريطاني على مشروع توطين اليهود في كينيا، وتم نقاش تغيير المشروع إلى فلسطين.

في ديسمبر  1914، دعى هيربرت صموئيل حاييم وايزمن إلى مكتبه، وصموئيل هو وزير بريطاني يهودي صهيوني، كان رئيس مجلس التجارة البريطانية، في أول لقاء بينهما، أوضح صموئيل لوايزمن أن بريطانيا مستعدة سياسبا للمساعدة في تأسيس كيان صهيوني في فلسطين، خرج صموئيل من الإجتماع بانطباع أن طموحات وايزمن متواضعة مقارنة بما يخطط له صموئيل.

بعدها بشهر وزّع صموئيل على الحكومة البريطانية وثيقة سرية بعنوان مستقبل فلسطين أكد فيها أن قادة ومناصري الصهيونية في العالم سيرحبون بضم فلسطين للإمبراطورية البريطانية، مفصلًا في الوثيقة خطوات بناء كيان صهيوني في فلسطين، ووضع 4 ملايين صهيوني يهودي في فلسطين، مستندًا بهذا المشروع على أفكار بريطانية سياسية متراكمة عمرها حوالي 80 عامًا، كان قد بدأ نشرها في الصحف والكتب والمجلات منذ عام 1839.

ناقش صموئيل وايزمن في تفاصيل المشروع عدة مرات خلال عام 1915، وعرض صموئيل المشروع على القيادي الصهيوني اليهودي الثري البريطاني اللورد ناثان روتشيلد في فبرلير 1915، قبل أن يتوفى الأخير بشهر، كما ناقش وايزمن مع الوزير البريطاني الصهيوني ديفيد لويد جورج المشروع عدة مرات في عامي 1915 و1916، وقد تعرف وايزمن على لويد جورج من خلال صديقه السياسي مالك ورئيس تحرير صحيفة مانشستر غاردين المعروفة بالغاردين اليوم، هاري ساتشر عام 1914، وأدخل وايزمن لويد جورج في الحركة الصهيونية، وكان حينها هيربرت آسكويث رئيس الوزراء البريطاني ولم يتخذ أي قرار رسمي بشأن إصدار بريطانيا تصريحًا رسميًا علنيًا يدعم الصهيونية.

ٍ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد