في ذكرى مئوية تصريح بلفور لا بد من تسليط الأضواء على ما أفرزه من آثار مدمرة على المنطقة العربية بشكل عام، وعلى الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني بشكل خاص، وتحميل بريطانيا المسؤولية القانونية والأخلاقية، وكذلك مسؤوليتها في تجريد الشعب الفلسطيني من السلاح قبل النكبة عام 1948، وتحميلها كذلك جزءًا من المسؤولية القانونية عن الجرائم الصهيونية التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ بداية عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 1948، باعتبارها الجهة القائمة بالانتداب، وبالتالي فهي تتحمل مسؤولية كل ما جرى طيلة فترة الانتداب وحتى عام النكبة، وعليه وجوب دعوة الحكومة البريطانية للاعتراف بمسؤوليتها عما حدث للشعب الفلسطيني، والتأكيد بعد تقديم اعتذار تاريخي للشعب الفلسطيني أن تعمل على تعويضه بالطرق التي يراها الفلسطينيون مناسبة.

فخلال 28 عامًا من الحكم البريطاني، سنت سلطة الانتداب سلسلة من القوانين، واتخذت العديد من الإجراءات التي سهلت إنشاء الكيان اليهودي الصهيوني. وبالتالي بطلان كل ما ترتب عليه من مغالطات وأكاذيب، لأن فلسطين لم تكن عند صدور التصريح جزءًا من الممتلكات البريطانية، كما أن المؤامرة الدولية على فلسطين كانت تحاك من قبل الدول الاستعمارية العظمى قبل توقيع اتفاقية سايكس– بيكو عام 1916.

ذلك أن صك الانتداب على غير فلسطين نص على تمكين الشعوب ذات العلاقة من الوصول إلى مرحلة الاستقلال الوطني، إلا أن صك الانتداب على فلسطين تضمن في المادة الثالثة منه على تهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة كيان يهودي فيه، وقد تجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي، ووجود الأكثرية العربية السـاحـقة فيها، والتي لم يأتِ ذكرها إلا بشـكل عرضـي ومنقوص، رغم أن عدد الفلسطينيين كان يفوق عندئذ 90% من مجموع السكان، بينما يمثل اليهود 10% فقط، ولا تتجاوز أملاكهم 2% من عموم أراضي فلسطين.

وبالعودة إلى التصريحات البلفورية، وفي عام 1799، دعا نابليون أثناء حملته على الشرق يهود العالم للاستيطان في فلسطين، ومما جاء في نص التصريح الفرنسي:

«من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسـية في إفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.

أيها الإسرائيليون.. أيها الشعب الفريد الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.

إن مراقبي مصائر الشعوب الواعين المحايدين -وإن لم تكن لهم مواهب المتنبئين مثل أشعياء ويوئيل- قد أدركوا ما تنبأ به هؤلاء بإيمانهم الرفيع من دمار وشيك لمملكتهم ووطنهم: أدركوا أن عتقاء الإله سيعودون لصهيون وهم يُغنون، وسيُولَد الابتهاج بتَملُّكهم إرثهم دون إزعاج، فرحًا دائمًا في نفوسهم.

انهضوا إذن بسرور أيها المبعدون.

إن حربًا لم يشهد لها التاريخ مثيلًا تخوضها أمة دفاعًا عن نفسها بعد أن اعتبر أعداؤها أرضها التي توارثوها عن الأجداد غنيمة ينبغي أن تُقسَّم بينهم حسب أهوائهم. وبجرة قلم من مجلس الوزراء تقوم للثأر وللعار الذي لحق بها وبالأمم الأخرى البعيدة. ولقد نُسي ذلك العار تحت قيد العبودية والخزي الذي أصابكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات.

إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقرًا لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تَعُد تُرهب مدينة داود.

يا ورثة فلسطين الشرعيين:

إن الأمة التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل أولئك الذين باعوا أجدادهم لجميع الشعوب. تدعوكم لا للاستيلاء على إرثكم بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء. انهضوا وأظهروا أن قوة الطغاة القاهرة لم تُخمد شجاعة أحفاد هؤلاء الأبطال الذين كان تَحالُفهم الأخوي شرفًا لإسبرطة وروما. وأن معاملـة العبـودية التي دامت ألفي عام لم تُفلح في إخمادها.

سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة ـ التي قد لا تتكرر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين، وهي وجودكم السـياسي كأمة بين الأمم، وحقـكـم الطـبيعي في عبادة يهـوه، طبقًا لعقيدتكم، علنًا وإلى الأبد».

غير أن وعد نابليون البلفوري، صدر في وقت لم يكن فيه تنظيم يهودي يمكنه تلقِّي هذا الوعد والعمل على تسخير المادة البشرية لتنفيذه، وقد فشل. بعدها بأربعين عامًا، أي في عام 1841 جاء تصريح بلفوري مبكر، وصلت رسالة من قنصل بريطاني في دمشق تشارلز هنري تشرشل إلى رئيس يهود بريطانيا موسيس حاييم، تضمنت خطة متكاملة لتوطين اليهود في فلسطين.

 

بدأ المشروع وتأسست مستعمرات بريطانية يهودية في فلسطين عام 1860، لكن بقيت المستعمرات شبه فارغة، وفشل المشروع، واقتنعت الخارجية البريطانية أن الوقت ليس ناضجًا بعد. مع الإشارة إلى أن صهاينة مسيحيين من فرنسا وألمانيا وروسيا وأمريكا كانوا يشيدون مستعمرات متناثرة في فلسطين.

لكن صاحب كتاب «المسيح قادم» الصهيوني المسيحي الأمريكي وليام بلاكستون، كان محرك أول مؤتمر سياسي في أمريكا تحت عنوان: «ماضي وحاضر ومستقبل إسرائيل»، عُقد المؤتمر في شيكاغو عام 1890، داعيًا لمؤتمر دولي لتمكين (الإسرائيليين) من فلسطين. سلّم بلاكستون بعدها عريضة فيها تواقيع أكثر من 400 من قيادات المسيحيين الصهاينة وبعض اليهود إلى الرئيس الأمريكي بنجامين هاريستون عام 1891 جاء فيها:

 

«الآن يجب أن تعود فلسطين لليهود»، لكن التصريح البلفوري الأمريكي لم يصدر، كان ذلك قبل خمس سنوات من نشر الصهيوني اليهودي تيودور هرتزل كتابه (دولة اليهود). بعد ذلك جاء تصريح بلفوري ألماني إلى الحركة الصهيونية عام 1889، أن قيصر ألمانيا فيلهلم الثاني، سيناقش صديقه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في أمر «توطين اليهود» في فلسطين، كان القيصر راغبًا في إفراغ ألمانيا من اليهود، لكن إسطنبول رفضت الفكرة، وفشل المشروع مجددًا.

ومع المؤتمرات الصهيونية الأولى، كانت فكرة «تصريح» سياسي علني مناصر للصهيونية من قبل قوة كبرى على أولوية أجندة الحركة الصهيونية.

 

بعث هيرتزل برسالة للحركة الصهيونية الأمريكية عام 1901، يحثهم على نيل «تصريح» من الرئيس الأمريكي لمناصرة الحركة الصهيونية قائلًا في الرسالة: «إن تصريحًا كهذا سيكون أهم من مئة مؤتمر تعقدونه في شرق وغرب أمريكا».

وفي عام 1903، جاء تصريح بلفوري روسي على شكل رسالة وجهها وزير داخلية روسيا القيصرية فون بليفيه إلى هرتزل يقول فيها: «تستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا، وإننا لا نريد التخلص من جميع اليهود الروس، إننا نريد فقط التخلص من المعدمين والمضطربين». وفي نفس العام 1903، ظهر أيضًا تصريح بلفوري بريطاني جديد من آرثر بلفور نفسه، وكان وقتها رئيسًا للوزراء يدعو إلى مشروع توطين اليهود في كينيا، بهدف منع هجرة يهود شرق أوروبا الفقراء إلى بريطانيا، وقد وافق أغلبية أعضاء المؤتمر الصهيوني السادس على هذا المشروع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

التصرريحاتت البلفورية _ روان الضامن
عرض التعليقات
تحميل المزيد