نظر الكثيرون إلى فكرة مسيرة العودة السلمية منذ ولادتها على أنها فكرة مثالية خيالية، ولن يكون لها رصيد على أرض الواقع بحكم تعقيدات الوضع الفلسطيني الداخلي، والعربي، والإقليمي، والدولي، ولكن مع مرور الوقت، بدأت هذه الفكرة تلقى رواجًا شعبيًّا ورسميًّا كبيرًا داخل فلسطين وخارجها، خاصة في ظل الحديث عن صفقة القرن، وما تحمله من خطواتٍ بإنهاء قضية اللاجئين، وإغلاق ملف حق العودة، وإبعاده عن دائرة التفاوض.

في الجمعة الأولى كان الكل يترقب ما ستؤول إليه الأحداث، ثم يبني موقفه، وبعدما أثبت الشعب رغبة عارمة في التفاعل والاستمرار، تبين للجميع أن هذه المسيرات ليس هبة عاطفية، بل هي رغبةٌ جماهيرية جامحةٌ للتأكيد على حق العودة الذي لا عودة عنه، وظهرت قمة التفاعل مع هذه المسيرة في الجمعة الثانية «جمعة الكوشوك»، واستمر حتى الآن، سواء على صعيد الوجود اليومي لبعض الفعاليات أو الحضور الكثيف يوم الجمعة، أو من خلال الدعوة للمزيد من التفاعل معها، وقد حرصتُ منذ 30 مارس (آذار) على المشاركة في أي فعالية بهذا الخصوص، خاصة يوم الجمعة، ويمكنني القول بأن تفاعل الجماهير في ازدياد، رغم قساوة الحرب المضادة للمسيرة.

وبالعودة إلى «هل نجحت مسيرة العودة ؟» أظن أنه من الحكمة عدم المبالغة في نتائج هذه المسيرات وثمارها على الصعيد الميداني القريب والملموس؛ بل يجب التحلي بالكثير من المنطق، وألا تغلب العواطفُ المنطق، فهي لم تحقق أهدافها المرجوة بعد، لكنها بالمقابل لم تفشل .

فالاحتلال لم يسمح بعودة أي لاجي ولن يسمح، لكن أحيانًا قد يستطيع الضعيف تحقيق نصر له وخسارة على القوي ليس من خلال قتله، بل من خلال إلحاق الأذى المعنوي النفسي والمادي له، لأن هذا يعكر مزاج العدو، فالعدو قد خسر سمعته بأنه الجيش الأخلاقي، حين واجه مسيرات العودة بالقتل والنار، رغم أن الجميع يعرف أن المعتصمين سلميون.

ثم إن تعزيزات الاحتلال على كل الصعد كلفته الكثير من الموازنة المالية، كما أن تعزيز الجانب النفسي عند جندي مهزوز نفسيًّا ليس بالأمر اليسير، فالجندي الصهيوني يعرف أنه يقاتل بلا عقيدة.

– نجحت في تعزيز ثقافة السلمية في مواجهة الاحتلال، وإظهار الشعب الفلسطيني أمام العالم بأنه شعب لا يهوى سفك الدماء، بل يجب الحياة إذا ما استطاع إليها سبيلًا.

– خلقت نوعًا من الحراك السياسي عربيًّا ودوليًّا بضرورة إعادة النظر تجاه غزة وما تعانيه من حصار، ومنددة بالقوة الصهيونية تجاه المتظاهرين العزل السلميين.

– بروز أصوات شعبية بمختلف التوجهات بضرورة رفع الحصار عن غزة، وضرورة معاقبة الكيان الصهيوني.

– ظهر التناقض جليًّا وواضحًا بين الكتاب، والصحفيين، والمفكرين، والأكاديميين الصهاينة بين مؤيد ومعارض، حتى إن الصحفي في إذاعة الجيش الإسرائيلي «كوبي ميدان» قال: «اليوم أنا أشعر بالخجل من أن أكون إسرائيليًّا»، حتى زعيمة حزب ميرتس «تمار زاندبرج» قالت: «من حق الفلسطينيين التظاهر وأدعو الجيش إلى التوقف عن إيذاء الأبرياء».

– نجحت في إثارة الرأي القانوني والحقوقي، سواء أكان أفرادًا أم مؤسسات، إذ إن الكثير أدان استخدام قوات الاحتلال للعنف ضد متظاهرين مدنيين.

– نجحت في إعادة القضية الفلسطينية، وخاصة حصار غزة إلى الواجهة، في ظل تراجعها بفعل عوامل فلسطينية داخلية.

إن الحكم على نجاح هذه المسيرة أو عدم نجاحها مرتبط بعوامل عديدة منها:

1- قدرة الجهة المنظمة على استمرارية حشد الجماهير الفلسطينية.

2- وجود حاضنة سياسية قوية داخل فلسطين وخارجها.

3- تعزيزها بوفود خارجية على كل المستويات سياسية، حقوقية، إنسانية، إعلامية.

4- عدم خلق تناقضات بين مكونات العمل السياسي، كي ينسحب هذا المكون من فعاليات المسيرة.

5- توحيد خطاب المسيرة بأن عودة اللاجئين إلى بلادهم أمر وارد في القوانين الدولية التي سنتها المؤسسات الدولية.

6- عدم الالتفات إلى الحرب الصهيونية النفسية التي تقلل من أهمية الجهد المبذول.

7- استثمار الاعلام، وخاصة الإعلام الجديد، لما له من قوة تأثير خاصة عند الغرب الذي تشرب الرؤية الصهيونية للقضية بحكم غياب رؤية عربية فلسطينية دقيقة.

مسيرة العودة تحتاج لأب يقودها إلى بر الأمان، والأب يحتاج لإخوة يشجعونه على تحقيق أهداف العائلة الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك