يعيش العالم العربي حالة من الفراغ السياسي الرهيب، تقوم السعودية بتعبئته بما يصب في مصالحها دون الالتفات إلى مصالح الغير، خاصة بعد تحييد سوريا والعراق، عبر الحرب الأهلية الطاحنة في كلا البلدين، وتحويل مصر من بلد قيادي في العالم العربي إلى بلد تابع، عقب الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي ومولته السعودية، الذي جعل مصر تعيش في حالة أقرب ما تكون لحرب استنزاف داخلية، أشبه بالحرب الأهلية، لكن أبرز القضايا العربية المتمثلة بالقضية الفلسطينية، تواجه خطر إطاحتها من قبل السعودية، في سبيل خلق حلف مع إسرائيل لمواجهة إيران، ويبدو أن قوة ترامب في نيته إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ليس بمعزل عن تفاهمات مع السعودية، أو رضا ضمني منها؛ لأن ذلك تزامن مع هجمة سعودية شرسة على الشعب الفلسطيني في وسائل السوشيال ميديا، وحملة قوية تهيئ الرأي العام السعودي لتطبيع علني محتمل مع إسرائيل.

رغم البعد الجغرافي، ما زالت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في أذهان الشعوب العربية المغاربية، في الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا، وبشكل أقل ليبيا في ظل الصراع الدامي الذي تعيشه، علمًا بأن نظام القذافي سابقًا لعب دورًا كبيرًا في الحرب الأهلية اللبنانية، التي كان الفلسطينيون أحد أهم أطرافها، وغالبًا هذا الدور كان خلافيًّا مع عرفات ومنظمة التحرير، عبر دعم القوى المناوئة لعرفات، وغالبًا ما كان الموقف الليبي متطابقًا أو متفقًا اتفاقَا كبيرًا مع الجانب السوري، بخلاف الموقف العراقي المتفق مع عرفات في هذه الحرب.

بقيت الجزائر حاضرة بقوة في الشارع الفلسطيني، بلدًا عربيًّا مناصرًا القضية الفلسطينية، حتى وإن فقدت الجزائر تأثيرها السياسي الفعلي في السياسة الفلسطينية والقوى الفلسطينية المختلفة، فمهما بلغت الفصائل الفلسطينية من قوة، فلا تستطيع مواجهة الرأي العام الفلسطيني في قضايا سياسية وثقافية عديدة، منها الجزائر التي ترفع أعلامها في أزقة الشوارع الفلسطينية وباحات المسجد الأقصى في معظم المناسبات الدينية والوطنية، ينظر الفلسطينيون إلى الجزائر التي احتضنت أول مكتب رسمي لحركة التحرر الفلسطينية فتح، البلد الذي لعب دورًا بقوة في الأروقة العربية والدولية لحصول منظمة التحرير على الاعتراف الإقليمي والدولي كيانًا قانونيًا وشخصية اعتبارية وممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني، وهي البلد التي أعلن فيها عرفات الاستقلال الفلسطيني عام 1988، ولا ينسى الفلسطينيون مقولة الرئيس الجزائري هواري بو مدين الشهيرة: «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة».

ما زالت الجزائر لها ثقلها السياسي العربي والمغاربي والإفريقي، لكنها تعاني أزمات داخلية في الحكم ليست خطيرة، إنما قد تشعل فتيل أزمة مستقبلية، لم تصل الجزائر نيران الربيع العربي لتجربتهم المريرة فيما عرف بالعشرية السوداء، لكنها تعيش أزمة منذ عقود مع المغرب على خلفية الصراع في الصحراء الغربية والدعم الجزائري للبوليساريو، تتمتع الجزائر باحترام واسع في أوساط الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه السياسية، يمكن للجزائر لعب دور مهم ومؤثر في أروقة الجامعة العربية والمنظمات الدولية المختلفة إذا ما شعرت أن القضية الفلسطينية تواجه خطر التصفية من الدول الإقليمية العربية، للجزائر هالة مستقلة؛ فهي لم تنضم إلى أي من المحاور لكنها على علاقة سيئة مع السعودية وحلفائها، وليست على علاقة جيدة مع قطر أو حليفتها تركيا، موقفها في الأزمات العربية بعد عام 2011 أقرب إلى المواقف الإيرانية وحلفائها العرب، لكنها لم تنضم إلى هذا الحلف أو المحور الذي تقوده إيران، والعامل المشترك بينهما عدهم السعودية أحد أهم أماكن تصدير التطرف الديني، والأفكار ذات الطابع الإرهابي بحسب المفهوم الجزائري للإرهاب، الذي احترقت بنيرانه، فيما سمي بالعشرية السوداء، والذي مورس فيه الإرهاب بشكل متبادل بين الجماعات الدينية المتطرفة وأجهزة الدولة أو ما يمكن تسميته إرهاب الدولة.

نشرت نيويورك تايمز مؤخرًا خبرًا مفاده أن ما دار في الاجتماع الأخير بين ابن سلمان وأبي مازن الرئيس الفلسطيني في الرياض عقب اندلاع أزمة استقالة الحريري فحواه كالتالي: «أن يقبل أبو مازن أبو ديس أحد قرى شرق القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وشطب قضية القدس واللاجئين، وتبادل الأراضي مع إسرائيل وإلا الاستقالة»، لست أدري ما مصدر الثقة أو القوة التي يتحدث بها ابن سلمان، حتى عرفات لم يجرؤ على ذلك، فلن يمتلك أبو مازن هذه الجرأة، وللسعودية دور سابق في مفاوضات كامب ديفيد، وهي جولة المفاوضات الأخيرة التي أدارها عرفات مع إسرائيل قبل اندلاع انتفاضة عام 2000، حيث حاول كل من مبارك والملك فهد التأثير والضغط على عرفات بقبول حل أمريكي ينتقص من السيادة الفلسطينية على القدس، لكن عرفات أبى وقال إن القدس ملك لكل المسلمين، ولست مخولًا بالتنازل عنها، يتكرر هذا الشيء اليوم مع أبي مازن، لكن مع فرق الظروف الموضوعية للمرحلتين، التي تفصل بينهما 17عامًا، إذ كان الوضع العربي والفلسطيني أكثر قوة وتماسكًا، يبدو أن أبا مازن في وضع لا يحسد عليه أبدًا، خصوصًا مع فقدان التوازن العربي والإسلامي وتبعثر الأوراق والمحاور والتكتلات التي تصب جميعها في خدمة إسرائيل، تعيش إسرائيل بصفتها دولة احتلال أبهى عصورها الذهبية وأزهاها، وهي ليست بحاجة إلى تحريك دبابات أو طائرات أو أساطيل لحمايتها، يقوم العرب بهذا الدور وزيادة، بتقتيل بعضهم وحرق بعضهم بلا أي حساب.

تهيمن السعودية اليوم على قرارات الجامعة العربية، ولم تبق دولة عربية تتصدى لها عمليًا سوى قطر، وقد تلعب هذا الدور مستقبلًا الجزائر، لكن لا مؤشرات لذلك حتى الآن، على أمل أن تعود الجزائر إلى واجهة السياسة العربية، ولو من باب الضغط الشعبي الجزائري الذي يناصر القضية الفلسطينية، ليس بأقل من الشعب الفلسطيني نفسه، لكن قطر دولة خليجية، وقد يتوصلون إلى حل مع قطر ودول الحصار نظرًا للطبيعة القبلية التي تحكم سياسات الخليج، وقد يؤدي ذلك إلى إسكاتها فيما يتعلق بالتصدي القطري للسعودية في حال تمرير قرارات عربية تطيح بالقضية الفلسطينية، ولا يشار اليوم إلى الجزائر بأي أدوار بارزة في أروقة الجامعة العربية التي يحكمها رجل من على كرسي كهربائي، مشلول الحركة وربما الدماغ، يبدو أن دوائر أمنية وعسكرية ولوبيات اقتصادية تحكم المطبخ السياسي الجزائري، وجل اهتمامه في الداخل الجزائري، وأدى ذلك لتغييبها عن المشهد السياسي العربي والإقليمي، وهذا الغياب الجزائري بالتوازي مع أفول الأدوار المصرية والسورية والعراقية وهيمنة السعودية على المشهد، قد يطيح بالقضية الفلسطينية تحت مبرر مواجهة إيران، وعندها سنخسر فلسطين ولن نواجه إيران، التخبط السعودي السياسي من أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم، يتزامن ذلك مع شيطنة إعلامية وسياسية للفلسطينيين في السعودية ودول الخليج ومصر، ومحاولة اغتيال القضية الفلسطينية أخلاقيًا عبر الإعلام، وسياسيًا تحت ذريعة مواجهة إيران التي تجيد اللعب في ورقة القضية الفلسطينية لعبًا احترافيًا، وبشكل آخر تلعب تركيا الدور الإيراني نفسه، يبدو أنه بات من الجيد خروج القضية الفلسطينية من الحضن العربي إلى الحضن الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد