ترددت كثيرًا قبل شراء تذكرة سفري نحو فلسطين لأسباب كثيرة يمكن حصرها في تهمة التطبيع مع إسرائيل أو في جدوى السفر من أصله أساسًا. كنت أتساءل بداخلي عما أجنيه من زيارة قد تجلب لي المتاعب بدءًا بتعقيدات الدخول مرورًا بتهمة التطبيع ووصولًا إلى خطر التعرض لأي مكروه، لكن رغبة الاكتشاف وزيارة الأقصى وكل الأماكن المقدسة والعريقة في تلك الأرض الطاهرة كانت أقوى، ففي كل مدينة أو حي قصة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، بدأت أبحث عن طريقة الوصول إلى البلد، هل ستكون عن طريق مطار اللد المعروف ببن غوريون في تل أبيب أو عن طريق المعابر الثلاث التي تربط فلسطين بالأردن فهناك جسر الملك حسين القريب من العاصمة الأردنية عمان وهناك جسر الشيخ حسين في أقصى الشمال وجسر العقبة في أقصى الجنوب. رغم علمي بوجود تنسيق أمني بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال كنت ساذجًا وأتصور أنني سأقابل شرطة الحدود الفلسطينية في المعبر الذي يربط الأردن بالضفة الغربية في فلسطين وأن هناك حواجز إسرائيلية بعد المرور من الضفة الغربية. إلا أن الواقع كان أكثر مرارة فحتى الأراضي الفلسطينية ومعابرها هي تحت رحمة قوات الاحتلال ولا أثر لأي شرطي فلسطيني فيها.

سألت زميلا فلسطينيا عن الطريق الأحسن للذهاب فنصحني بمطار بن غوريون في تل أبيب لأنه أقل تعقيدا وأسهل من جانب الإجراءات ولأن المرور بالجسر أشبه ما يكون بقطعة من العذاب فهناك طقوس سادية يمارسها جنود الاحتلال قبل ترك أي فلسطيني أو سائح يمر إلى الضفة الغربية.

حسمت الأمر سريعًا وقررت المرور عبر المعبر الذي يؤدي إلى الضفة الغربية حتى أختبر تضامني مع الفلسطينيين  وأذوق صنوف تلك الممارسات السادية التي تسلط عليهم يوميا. وحتى أنهي الجدل الدائر في رأسي وأحسمه وأفرض الأمر الواقع على نفسي مثلما تفعله سلطات الاحتلال سارعت إلى الحجز إلى مطار عمان عن طريق الإنترنت ووصلت التذكرة خلال ثوانٍ إلى بريدي الالكتروني.

من سوء حظي أن يوم سفري كان يوم جمعة ولم أنتبه إلى أن أولى العقبات التي ستقف في وجهي هي أن اليهود يغلقون معبر الملك حسين باكرا جدا يومي الجمعة والسبت لأنه يوم عطلة لديهم. وصلت إلى مطار عمان على الساعة الحادية عشرة صباحا وكنت أسابق الزمن لأنهي إجراءات التأشيرة الأردنية والخروج من المطار. وفي المخرج كان سائقو سيارات الأجرة يتهافتون علي كمن يسعى للظفر بصيد ثمين إلا أن أحدهم نصحني بعدم الذهاب: يا سيدي العزيز، صل على النبي.. سأصطحبك إلى المعبر وستدفع ثمانية وعشرين دينارًا أردنيًّا وتجد المعبر مغلقا ثم تدفع المبلغ ثانية للرجوع إلى المدينة وثالثة لدى رجوعك إلى المعبر مجددًا في اليوم الموالي.. ربحًا للوقت لم أترك سائق سيارة الأجرة ينهي محاضرته وقطعت كلامه: فلنجرب حظنا إلا أنني أطلب منك أن تكون مثل الطائرة النفاثة.

كان اليوم جمعة ولم تكن هناك حركة سير كبيرة تذكر وفي الطريق إلى المعبر التي كانت نفس الطريق إلى البحر الميت كانت مواكب السيارات العائلية تتقاطر على نفس الطريق طلبا للاستجمام والهدوء بعيدًا عن ضوضاء المدينة. بقيت متشبثا بأهداب أمل الدخول إلى الأراضي الفلسطينية رغم أن الجندي الذي كان يحرس البوابة الأولى أجاب بصفة الجزم أن المعبر مغلق وعلي الرجوع غدًا باكرًا فسارعت إلى البوابة الثانية الخاصة بالسياح فوجدت دبلوماسيًّا غربيًّا برفقة زوجته وقد سمح لهما الضابط بالمرور إلا أنني اصطدمت بجواب الضابط أن المعبر مغلق وأن هناك استثناءً خاصًّا بالدبلوماسيين فقط. ورغم أنني كنت دبلوماسيًّا في حديثي مع الضابط إلا أن الأمر يتطلب أيضا حمل جواز سفر دبلوماسي.

رجعت أجر أذيال الخيبة وسائق سيارة الأجرة لا يتوقف عن التطمين والتخمين: يا أخي توكل على الله.. «شوف لك فندق وانطلق غدا باكرا».. مرت طريق العودة التي تقارب الخمسين كيلومترًا بطيئة واستقر بي المقام في أحد فنادق عمان وتذكرت مقولة إحدى الزميلات الفلسطينيات وكيف أنها كانت توائم توقيت وصولها إلى العاصمة الأردنية بدقة حتى تجتاز امتحان المعبر في اليوم نفسه قبل حلول الظلام. كانت الأمسية فرصة لأستكشف مرغمًا بعضًا من مواقع مدينة عمان الجميلة.. كانت الوجهة إلى شارع الرينبو السياحي وجلست في أحد جنباته التي تطل على باقي المدينة.

عذاب المرور إلى الضفة

كانت تحذيرات سائق سيارة الأجرة بضرورة البكور في اليوم التالي كافية لتجعلني في أهبة الاستعداد منذ الفجر فوجدت نفسي واقفًا أمام مدخل الفندق على السادسة صباحا. وجدت عائلة تفاوض سائق سيارة أجرة على الذهاب إلى المعبر فعزموني مشكورين لأتقاسم معهم عبء كلفة النقل. من خلال كلام رب العائلة كان يبدو متذمرًا من صعوبة إجراءات المرور ويدعو الله مع طلوع الشمس على أن ييسر لهم الطريق للوصول إلى وجهته في مدينة نابلس.

ألفت الطريق إلى معبر جسر الملك حسين وشكله وطريقه لأنني مررت منه في اليوم السابق فقط. يدعونه معبر الكرامة إلا أنه يشكل مدخلًا لإهانة كل قاصد له. ومنذ البداية يجري انتقاء مرتاديه والتمييز بينهم فهناك مدخل خاص بالفلسطينيين الذين يحمل جزء كبير منهم جوازات أردنية. ويعفيهم هذا الجواز من كلفة تسول الضباط الإسرائيليين للدخول إلى بلدهم ويعطيهم حرية تنقل أكبر إلى خارج البلاد. أما المدخل الثاني فهو مدخل خاص للسياح من حملة الجوازات الأجنبية وفيه أيضا جانب خاص «في آي بي» أو لمن يدفع أكثر. مائة وعشر دولارات تدفعها لتجعل مرورك عبر صراط المعبر أكثر سلاسة وفي سيارات صغيرة مكيفة وسريعة بدل الحافلة السياحية. وهي الثمن الذي تدفعه لتلقى معاملة أكثر احترامًا من الضابط الإسرائيلي في الضفة الأخرى.

قررت الانتظار والوقوف في الطابور مع باقي المسافرين، كانت الساعة السابعة والربع صباحًا وبدأ مكتب ضابط الجوازات الأردني يستفيق من سباته بعد مرور الساعة الثامنة. لا يطبع الضابط الأردني تأشيرة الخروج على جوازك ويكتفي بتدوين المعلومات الخاصة بك في ورقة يدمغها لاحقا ويستلمها منك آخرون لدى صعودك إلى حافلة المرور إلى الضفة الأخرى.

تنتظر امتلاء الحافلة والتدقيق في أغراضك الشخصية ثم شحنها لاحقا بعد أن تدفع رسوم مرور طريق مليئة بالحواجز العسكرية. يمر الوقت في الانتظار ولا شيء غيره. أمام طابور طويل من الحافلات يتغير اسم المعبر ويصبح «معبر الألنبي»، أول ما تستقبلك تلك الكتابات العبرية غير المفهومة وحاجز إسرائيلي يفحص الحافلة بعناية كبيرة وآخر يتفحص الجوازات وبعده انتظار وطابور غير منته. يكون آخر عهدك بسائق الحافلة الأردني أمام أكوام الحقائب التي ينزلها من الحافلة ويبدأ التزاحم للوصول إلى الحاجز الأول من ضباط الجوازات والذي فهمت من طبيعة عمله أنه الفرز الأولي، من وراء الحاجز الزجاجي تفحصت شرطية جوازي ورمته لي بسرعة وهي تتكلم بالعبرية، أصبت بحنق شديد من طريقة رمي الجواز إلا أنني كتمت غيظي وتابعت بدقة نصائح فوزية وهي مغربية فرنسية تشتغل في منظمة أطباء بلا حدود. طلبت مني أن أغض الطرف عن كل التجاوزات لأن هدفي في النهاية هو الدخول إلى فلسطين وألا أولي اهتمامًا لأي شيء يحدث. وقد أكدت أن هذه التصرفات هدفها تنفير كل من يرغب في الوصول إلى الفلسطينيين وتركهم يعانون وحدهم فمعاملة المجموعات السياحية تختلف عن القادمين بصفة شخصية.

في الحاجز الثاني توجد ضابطة جوازات أخرى تطبع تذاكر صفراء خاصة على ظهور الجوازات وحسبما فهمته من أحد الفلسطينيين المسافرين فإن أغراض من يؤشر على جوازه تخضع للتفتيش المعمق وهو ما حدث لي.

وقفت في طابور ثالث نهايته أشبه ما تكون بمدخل قاعات التفتيش بالمطارات. يتم خلاله نزع كل شيء يرن تحت آلة الفحص بالأشعة وحتى دبابيس الخمار الذي ترتديه الفلسطينيات يجب نزعها.

أخذوا جوازي وطلب مني الانتظار ونادت إحداهن باسمي وتفحصت وثائقي قطعة قطعة بآلة خاصة ثم تأكدت من خلوها من أي شيء مشبوه عن طريق عرض آلة الفحص على جهاز ثان.

كنت شبه مرتاح رغم طول الإجراءات، فأنا أراقب وأسجل وأكتشف وأقارن بين وضعي ووضع عابر آخر اضطرته الظروف أن يكون هذا طريقه الوحيد. وقد طلب مني أحد الفلسطينيين أن أحمد الله على نعمة هذا اليوم فالطقس ربيعي وعدد المسافرين قليل. طلب مني أن أتصور الوضع في أحد أيام الصيف شديد الحرارة وفي هذه المنطقة المعروفة بقيظها الشديد حيث ينتظر المسافرون دورهم للعبور وقد يغلق المعبر ويبيتون في مدخله مع أطفالهم ونسائهم يومين أو ثلاثا.

قطع خيالي قرب وصول دوري مجددًا، دخلنا إلى قاعة كبيرة وكنت جانب السيدة المغربية التي نصحتني بالوقوف في طابور ضابط يتكلم باللغة الفرنسية لأنها معتادة على المرور من المعبر وهو في نظرها «أرحم» من آخرين. أخذت بنصيحتها لكنني أصبت بقهر شديد وأنا أرى ضابطة إسرائيلية بلباس أخضر ترفع عقيرتها وتصيح على مسن فلسطيني بسبب عدم اكتمال أوراق دخوله أو هكذا خيل لي. وبينما تتعالى صيحاتها في القاعة يكتفي المسافرون الباقون بتبادل نظرات الاستهجان والاشمئزاز ويقف الأمر عند هذا الحد لأن دخولهم إلى الضفة الأخرى مرهون بمزاج هؤلاء. تتعامل السلطات الإسرئيلية مع الفلسطينيين باستعلاء كبير وبقوانين خاصة لا تطبق إلا عليهم فقط ففور اكتشافها أن الفلسطيني الداخل إلى بلده حامل لجواز أجنبي يتم إلغاء رخصة إقامته الفلسطينية فورًا ويعتبر أجنبيًّا. ومقابل هذا الوضع الطارد لأي فلسطيني متشبث بأرضه وأهله تنظم السلطات الإسرائيلية عمليات هجرة للآلاف من اليهود من كل بقاع العالم للاستيطان ويبقى هؤلاء محافظين على جنسيات ثانية وثالثة ولا تقوم السلطات الإسرائيلية بأي إجراء في حقهم.

وصل دوري أمام الضابط، من أين أتيت وإلى أين تذهب؟ هل هي زيارتك الأولى؟ أين ستقيم؟ هل برمجت لقاءات مع أي أحد؟ ما هو الدافع لزيارتك؟ دوامة أسئلة لا تنتهي وأنا واقف. وبعدها أخرج استمارة طويلة طلب مني تعبئتها بعناية والانتظار للتحقيق المعمق. قبل أن أغادر للانتظار وجوازي أمامه قلت له: أرجو أن، ويجيبني بسرعة: لا داعي لإكمال حديثك فأنا أعرف ما تريد. كان الضابط يدرك جيدا أنني أطلب منه أن لا يختم على جوازي بتأشيرة إسرائيلية وهو طلب الكثير من السياح الوافدين. وهو طلب يتجدد عند كل المعابر الحدودية الإسرائيلية ويشكل حرجًا كبيرًا لسلطات الاحتلال التي ترغب في تطبيع علاقاتها مع الجميع.

في باحة الانتظار التقيت بفوزية المغربية مجددا، قالت وهي تضحك: أعرف جيدًا أنني سأخضع أيضا للتحقيق المعمق  فتهمتي أن زوجي فلسطيني ولأنني مقيمة في مدينة نابلس التابعة للسلطة الفلسطينية. استغللت فرصة الانتظار لألتهم ساندويتشا اشتريته من المعبر فقد استبد بي الجوع ولم آكل شيئًا منذ ليلة البارحة.

كانت السيدة المغربية تحكي بحرقة عن التمييز الذي يتعرض له الفلسطينيون فقط لأنهم فلسطينيون فسلطات الاحتلال تسعى لتوفير بيئة طاردة لهم على كل المستويات وفي المقابل تسعى لزرع المستوطنات فيما تبقى من أراضي سبعة وستين بعد أن منحها التقسيم الأممي كل الجانب الغربي لأراضي ثمانية وأربعين.

مكثنا ما يقارب نصف ساعة وجاء ضابط إسرائيلي إلى السيدة المغربية في نقاش كانت تدرك تفاصيله جيدا: بما أنك متزوجة من فلسطيني فيتوجب عليك طلب إقامة من السلطات العسكرية ويمنع عليك الخروج والدخول مجددًا من أجل طلب تأشيرة جديدة. سنتركك تدخلين هذه المرة بصفة استثنائية والمرة المقبلة لن تدخلي ما لم تمري على المكتب العسكري وتطلبي إقامة.

انتهى الأمر مع السيدة المغربية وانتظرت دوري طويلا ثم جاءت ضابطة إسرائيلية ونادت على اسمي واصطحبتني إلى مكاتب المخابرات الإسرائيلية. سألتني عما إذا كنت أتحدث العربية فأجبت بنعم لكن بالفصحى فقط. وكان ذلك مني حتى أتجنب الحديث مع المستعربين الذين يدققون في كل شاردة وواردة وتفاديًا لأي ملاسنة غير مرغوبة. انتظرت قليلا وسألت الضابطة بعضهم ثم رجعت إلي وطلبت استمارة الاستعلامات الإضافية ودخلت في سين وجيم معي وفي تفاصيل بقرة موسى عما هي وما لونها، قلت إنك ذاهب إلى بيت لحم ألست مسلمًا؟ طيب أنا مسلم لكن ألا تحق لي زيارة الكنائس والمعالم المسيحية؟ تبتسم ثم تطرح أسئلة أخرى وتعيدها بصياغة مختلفة، انتهت المقابلة المطولة بعد أن لم يعد هناك مجال لأي سؤال يطرح وطلب مني الانتظار مجددا. بعد حوالى عشرين دقيقة نادت علي ضابطة أخرى وأرجعت لي الجواز ومعه ورقة مستطيلة زرقاء. إنها التأشيرة الإسرائيلية التي تتيح لك الدخول إلى الأراضي الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء.

بعد فحص أخير ومرور على حاجز حديدي وجدت نفسي في قاعة كبيرة وأمام أكوام من الحقائب المتناثرة فيها. تلحقك الإهانة حتى بعد مرورك إلى الضفة المقابلة فيجب عليك أن تزيح هذه الحقيبة وتلك لتجد أغراضك مطمورة تحتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد