من الآن فصاعدًا سنجد يهودًا في ثياب مسلمين، اليهودي الوظيفي، مسلم يصلي معنا العشاء في المسجد لكنه يقوم بنفس الدور الذي يقوم به الجنرال اليهودي. 

في حروب التحرير لا يمكن هزيمة العدو وإنما إرهاقه حتى يُسَلم بالأمر الواقع. عبد الله المسيري

لم يكن من هدف للاستعمار الغربي إلا ترك الشرق العربي وشمال أفريقيا مقسمًا مشتتًا حتى يسهل التحكم فيه والسيطرة عليه واستغلال ثرواته، ولتحقيق ذلك كان لا بد من زرع كيان هجين فيه يقوم بالدور نفسه الذي تقوم به الخلية السرطانية في الجسم من تدمير من الداخل ومن منع الجسم من الاتحاد من جديد حتى يتداعى بعضه لبعض عند الشدّة والمرض ففي «إطار التقسيم تصبح الدولة الصهيونية الاستيطانية، المغروسة غرسًا في الجسد العربي، دولة طبيعية بل قائدة. فالتقسيم هو في واقع الأمر عملية تطبيع للدولة الصهيونية التي تعاني من شذوذها البنيوي، باعتبارها جسدًا غريبًا غرس غرسًا بالمنطقة العربية» على حد تعبير عبد الله المسيري (الشرق الأوسط الجديد في التصور الأمريكي الصهيوني نوفمبر 2006) فإسرائيل دولة وظيفية ولذلك تجد كل الدعم من القوى الغربية عمومًا وليس فقط من الولايات المتحدة الأمريكية ولكن اكتمال دور إسرائيل بحاجة لطرف ثانٍ مهم في معادلة نجاح خطة التقسيم وهو الاستبداد وتسليم قيادة الدول المقسمة لأنظمة ديكتاتورية استبدادية قمعية مدعومة دعمًا كليّّا من القوى الاستعمارية بل ساهمت في تمكين الصهيونية من السيطرة على فلسطين ولعل مهزلة حرب جيوش الأربعة ملوك سنة 1948 هي الدليل الأكبر على المؤامرة التي حيكت وتحاك تجاه مستقبل الأمة العربية والإسلامية. فتلك الحرب هي التي مكنت العصابات الصهيونية من السيطرة على فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل وانطلاق مشروع إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر ومن المحيط إلى المحيط، وهو ما تحقق اليوم مع صفقة القرن حيث امتد نفوذ إسرائيل من المحيط الهادي للمحيط الأطلسي عبر اتفاقيات السلام الوهمي الذي أبرمته عدة دول عربية. إن التقسيم والاستبداد هما وقود دولة العصابات الصهيونية التي تحتل أرض فلسطين.

إن للاستبداد أذرعًا إعلامية وثقافية تخدمه وتخدم من خلفه الحركة الصهيونية، وهذه الأذرع هي التي تصمت اليوم عما تقوم به الدولة الصهيونية في القدس وغزة وفي كل أرض فلسطين من قمع وتدمير وتخريب وقتل للأطفال والنساء والشيوخ، ومن تشريد لآلاف العائلات عن دورها وأرضها من قبل العصابات الاستيطانية المدعومة من قبل المطبعين العرب. فالإعلام الموالي للاستبداد مارس كل أنواع التشويه ضد المقاومة الفلسطينية في حربها القذرة ضد حرية الشعوب التي بدأت منذ 2011 ولا تزال متواصلة لليوم، لدرجة أن أحد رموزهم في تونس ادعى أن حركة حماس حفرت نفقا من غزة حتى جبل الشعانبي في تونس (أعلى قمة جبلية في البلاد التونسية) لدعم الإرهاب وهو ما جلب له السخرية عربيّّا وعالميّّا ولا يمكن أن ننسى ما فعله الإعلام المصري من تشويه وإساءة للمقاومة الفلسطينية في حربه ضد الثورة المصرية وحركة الإخوان المسلمين المصرية. فحرب النظام العسكري المصري وأذرعه الإعلامية والثقافية على الإخوان والثورة المصرية طالت كل رموز المقاومة الفلسطينية بالتشويه والإساءة رغم أنه لا علاقة لهم مطلقا بما يقع في مصر وهذا التشويه كان في خدمة الصهيونية داخليًّا وخارجيًّا لما تمثله مصر من ثقل داخل الأمة العربية والإسلامية، ولا يزال بعض الإعلاميين المتصهينين هناك يمارسون بعض التضليل رغم عودة العلاقات الطبيعية بين مصر والمقاومة الفلسطينية. ولقد وصلت الوقاحة بهؤلاء حد اعتبار الحوار بين الدولة المصرية وحركة حماس أثناء كل هجوم للجيش الصهيوني على غزة من أجل الوصول لوقف إطلاق النار حماية لنساء وأطفال وشيوخ غزة تخابرًا مع قوة أجنبية.

لقد انخرط الكثير من مثقفي وشيوخ السلطة في الحملة الشعواء ضد المقاومة الفلسطينية إلى درجة الدعم المباشر لما تقوم به الدولة الصهيونية من قمع واضطهاد في فلسطين حتى إن أحد الشيوخ المتصهينين قال: «قلنا لكم إن حماس الإرهابية خونة. هذه شهادة شاب من غزة وكان شاهد عيان على جريمة حماس وتفجيرهم لمسجد وتصفية جميع المصلين. أهل غزة وصلوا لذروة الغضب من حماس بسبب ما تفعله بهم». انتهى التعليق لقد وصل به الأمر حد اتهام الشعب الفلسطيني أنه بلا دين ولا أخلاق. ولا يزال هذا الشيخ الصهيوني يمارس حملته الدعائية للدولة الصهيونية منذ انطلاق الحرب إلى اليوم بدعم مباشر لأحد الأنظمة الديكتاتورية العربية الذي يقف مع إسرائيل في حربها ضد غزة، بل شاركت إحدى طائراته القتالية التي تقوم بمناورة مع الدولة الصهيونية في استهداف قطاع غزة، وهو يبرر ذلك بالعداء للإخوان المسلمين معتبرًا المقاومة الفلسطينية جزءًا من الإخوان، ولذلك يجب دعم الدولة الصهيونية ضدهم، وهو تبرير ساذج وتافه للتغطية على موالاتهم المطلقة للصهيونية لدرجة شراء أراض ودور في القدس ثم بيعها للمستوطنين فيما بعد دعما منهم للحركة الاستيطانية. ولعل السبب الحقيقي لهذا الدعم الكامل للدولة الصهيونية من المطبعين والصهاينة العرب إنما هو الحفاظ على السلطة، وأنهم من أجل السلطة مستعدون للمشاركة في إبادة جماعية للشعب الفلسطيني ضمانًا لحماية حلفاء الدولة الصهيونية لهم حين تثور شعوبهم، وهو أمر حاولت القيام به فرنسا حين ثار الشعب التونسي ضد نظام الاستبداد، حين أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية أنها مستعدة لدعمه بالأسلحة اللازمة لقمع الشعب التونسي، ولا تزال فرنسا لليوم تدعم الثورة المضادة حتى لا تنجح الثورة التونسية التي مهما كانت الصعوبات والتضحيات ستؤدي في النهاية للتحرر من الهيمنة والاستعمار الجديد.

إن النخب الثقافية والإعلامية المتصهينة هي أداة هدم وتدمير للأمة العربية والإسلامية من الداخل بضرب الهوية العربية الإسلامية، والقيم الأخلاقية، وروح المقاومة والعزة والكرامة لدى الشعوب، والتشجيع على كل أشكال الرذيلة والمخدرات وغيرها، حيث إن هذه النخب لا تدافع إلا عن الشذوذ واستهلاك المخدرات، وتحوّل الراقصات والبغايا لرموز وقدوات ثقافية واجتماعية للأجيال القادمة، وتشوه كل من يدافع عن الهوية الوطنية العربية الإسلامية وتتهمه بالرجعية، وتبرر الحاجة للاستبداد وتنظِّر له وتدافع عن كل مشروع استبدادي وتقف مع كل من له رغبة في أن يكون مستبدًّا لدرجة اعتبار أحدهم أن «الفقراء لا يحبون الحرية». ولعل ما شهده شهر رمضان من إنتاج درامي وترفيهي كان في أغلبه يصب فيما ذكر سلفًا إلا دليل على ذلك. إنها النخب نفسها التي تتباكي اليوم على غزة وتتهم حماس والمقاومة الفلسطينية أنها تضحي بأهل غزة خدمة لمصالحها، وهي بذلك تلتقي بشكل مباشر مع الدعاية الصهيونية التي تسوق في الرؤيا نفسها وتعتبر أنها لا تحارب أهل غزة، بل تحارب حماس الإرهابية، وهؤلاء المثقفون الصهاينة ينسون أن غزة محاصرة منذ عشرات السنين من قبل الدولة الصهيونية والدول العربية المحيطة، حتى في غياب صواريخ حماس والمقاومة التي تدافع عن الشرف العربي والإسلامي الذي لا يملكه هؤلاء الذين باعوا أرواحهم للصهيونية من أجل حفنة من الدولارات.

إن معركة التحرير وتحقيق الحرية التي يعشقها الفقراء لأنها السبيل لخروجهم من الفقر الذي فرضته الأنظمة الاستبدادية ونخبها المتصهينة التي تستغل الثروة وتضطهد الفقراء، تبدأ من تحرير الإعلام والجامعات العربية من المتصهينين العرب، وكذلك تحرير مراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية من هؤلاء الذين يؤيدون الهيمنة الاستعمارية والصهيونية على المنطقة العربية والإسلامية، ومن كل من يدافع عن الاستبداد ويمنع الأمة من التحرر منه. فالمقاومة الفلسطينية بكل أطيافها تقوم بمعركة التحرير نيابة عن الأمة ككل، وعلى الأمة في مسارها نحو دعم تلك المقاومة أن تحرر أرضها من كل المتصهينين العرب وأبناء الاستعمار الجديد وأن تتخذ سبيلًا واثقًا نحو الحرية.

فالمعركة الحاسمة هي معركة تحرر من كل أشكال الاستعمار والتبعية ومن كل المتصهينين العرب والمسلمين هذا ما يمكن المساهمة به في معركة تحرير الأمة وفي الطريق الذي تعبده المقاومة الفلسطينية من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين. فالدولة الصهيونية «كمشروع استيطاني لا تقبل وجود دولة فلسطينية حقيقية. حتى لو قبل العرب قرار التقسيم»؛ ولذلك يبقى الحل الوحيد لدفع الدولة الصهيونية للقبول بقيام دولة فلسطين هو المقاومة بكل أشكالها السلمي والعسكري، وهذه المقاومة تحتاج لدعم كامل من الأمة العربية والإسلامية لا يمكن أن يتحقق كما يجب في ظل أنظمة استبدادية قمعية لا يهمها إلا المحافظة على السلطة. فمعركة الحرية جزء أساسي من معركة التحرير، وهما خطان متوازيان يسيران معًا وفي الوقت نفسه، ولا يشترط تحقق أحدهما الآخر كما يسوق زورًا وبهتانًا الصهاينة العرب خدمة للدولة الصهيونية. ستتواصل حركة المقاومة من أجل تحرير لفلسطين كما ستتواصل حركة تحرر الأمة العربية والإسلامية من الاستبداد في الآن نفسه.

أخيرًا ستنتهي المعركة الحاسمة يومًا بالنصر ذاك وعد الله وستنطبق النكتة الصهيونية التالية على قادة الدولة الصهيونية:

تقول النكتة الصهيونية إن أحد الصحافيين طرح على وزير الدفاع عمير بيريتس السؤال التالي: «صرحت قبل الحرب أن عمير بيريتس سيجعل حسن نصر الله ينسى اسمه، فما تعليقك؟» فأجاب مندهشًا: «من هو عمير بيريتس هذا؟». ففي النهاية من هو نتنياهو هذا ومن هم الصهاينة العرب؟

وفي الأخير يقول المحلل العسكري الصهيوني القريب من الجيش الصهيوني روني دانيئيل: أنا غير مطمئن أن أولادي سيكون لهم مستقبل في هذه الدولة، ولا أظن أنهم سيبقون فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد