الصراعات حول العالم ترتبط دومًا بالتاريخ، تستقي منه أطراف النزاع حقوقًا لصالحها، أو تزرع به شكوكـًا حول عدالة موقف خصومها. لذا فالفهم التاريخي المحايد غير المنحاز لطرف؛ يوفر القدرة على رؤية الحلول الكامنة في قلب الخلاف. والصراع الفلسطيني العربي الإسرائيلي من أهم أمثلة الصراعات المبنية على التاريخ، وعبر عقود اعتمد الجانب الأقوى فيه على ركائز داعمة في حربه على خصومه المستضعفين، من أهمها الدعاية واستحضار التاريخ الذي جرى إعداده وتشويهه عبر عقود من العمل الدؤوب المتفاني.

هذا العمل شيد أكاذيب دارت حول ماضي الفلسطينيين المحاصرين داخل فلسطين وحاضرهم، وأعاقت تلك الخرافات كل من حاول تكوين صورة حقيقية عن أصل الصراع ومآلاته. لكن دائمًا تأتي الحلول على غير توقع ومن قلب أقوى الدعائم، ففي أواخر الثمانينيات تظهر مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين، يواجهون آلة التزييف الضخمة التي ترعاها الدولة اليهودية ومن خلفها الولايات المتحدة. ومن أهم أولئك المؤرخين؛ «إيلان بابي» مؤلف كتاب «10 خرافات حول إسرائيل» الذي صدر في مايو (أيار) 2017.

الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، الأول يغطي خرافات الماضي، والثاني أكاذيب الحاضر، والثالث يتعلق بأحدث الخرافات وأكثرها تخديرًا للمناصرين للقضية، وهو حل الدولتين. وسنحاول أن نتناول فصول الكتاب المهم بالترتيب؛ لنستعرض الحقائق التي تدحض الأكاذيب الصهيونية حول فلسطين المحتلة وإسرائيل المزعومة.

الخرافة الأولى هي أن فلسطين كانت أرضًا فارغة بلا شعب، وهي المقولة التي أطلقتها الصهيونية منذ وصولها إلى أرض فلسطين في بداية القرن التاسع عشر. ويبدأ إيلان من العهد الروماني، فالرومان حسب المصادر التاريخية المعتبرة كانوا هم من منحوا تلك المساحة من الأرض اسم فلسطين، وتشير المراجع التاريخية للعصر الروماني ثم العصر البيزنطي إلى وجود مقاطعة تابعة للإمبراطورية أطلقوا عليها اسم فلسطين، وكانت معتمدة اعتمادً كبيرًا على روما ومن بعدها القسطنطينية.

ومنذ منتصف القرن السابع الميلادي وما تلاه، يؤكد إيلان الارتباط التاريخي الوثيق بين فلسطين والعالم العربي والإسلامي، مع انقطاع طفيف في فترة الحروب الصليبية في العصور الوسطى. وبالطبع كانت التحركات كثيرة من جانب الإمبراطوريات والملكيات المسلمة في الشرق والغرب والجنوب حول فلسطين، تطمح في الاستحواذ على تلك الأرض المقدسة التي تحوي أقدس الأماكن بعد مكة والمدينة في العقيدة الإسلامية. كما اجتذب المكان أيضًا بعضًا من تلك التحركات نظرًا لخصوبة الأرض وثقافة السكان، وما زالت الآثار الباقية تشهد على الحكام المختلفين لفلسطين، من المماليك والسلاجقة وغيرهم.

ويعد العصر العثماني من أهم المصادر لتفنيد الأكاذيب الإسرائيلية، فمنذ دخول العثمانيين لفلسطين في 1517 وبقائها تحت إدارتهم نحو 400 عام. فعندما وصل العثمانيون وجدوا بالمكان مجتمعًا ريفيًّا مسلمًا سنيًّا في معظمه، مع وجود نخبة حضرية صغيرة من العرب، وكان اليهود يمثلون على أكثر التقديرات 5% من سكان فلسطين، والمسيحيون 10– 15%، وينقل إيلان عن يوناتان مندل الأكاديمي الإسرائيلي ومؤلف كتاب «من الآخر العربي إلى الذات الإسرائيلية: الثقافة الفلسطينية في صنع الهوية الوطنية الإسرائيلية()»، أن النسبة المؤكدة تمامًا لليهود في فلسطين قبل صعود الصهيونية غير معلومة، لكنها تراوحت بين 2- 5% من عدد السكان وقتها. ووفقًا للسجلات العثمانية كان إجمالي عدد سكان فلسطين 462465 شخصًا في عام 1878، يقطنون الأرض التي تسمى فلسطين وإسرائيل اليوم. من هذا العدد 403795 كانوا مسلمين، و43659 من المسيحيين، و15011 من اليهود (بنسبة حوالي 3%).

كانت المجتمعات اليهودية حول العالم ترى فلسطين أرضًا دينية مقدسة، لكن قلة قليلة منهم هي التي كانت ترى أن الحج لتلك الأرض يمثل واجبًا دينيًّا، وقلة من هؤلاء هم من زاروا فلسطين بالفعل. لذلك لم يكن للحج اليهودي لفلسطين أي دور تاريخي، كالذي لعبه الحج الإسلامي لبيت المقدس، والحج المسيحي لمهد المسيح وكنيسة القيامة. وقبل ظهور الصهيونية كان المسيحيون فقط هم من يودون (ولأسباب كنسية كما يسميها إيلان) أن يتوطن اليهود في فلسطين بصورة دائمة.

موقع الخارجية الإسرائيلية، قبل أن يروج لخرافة أرض بلا شعب؛ يؤكد أن اليهود لم يتجاوزوا ألف أسرة فقط في كل فلسطين عندما بدأ الحكم العثماني عام 1517، يعيشون في القدس، ونابلس، والخليل، وصفد، وقرى الجليل، منهم من كان قاطنًا من قبل، ومنهم من جاء مهاجرًا من شمال أفريقيا وأوروبا. وأن التنظيم الحكومي العثماني الجيد في البداية جلب تحسينات في أوضاع اليهود وزاد من الهجرة واستقرار القادمين الجدد بالقدس. لكن مع تقلص الحكم العثماني وتدهوره عانت البلاد من الإهمال، وغاب عن الأرض ملاكها، وبنهاية القرن الثامن عشر كانت الصحراء تزحف على الأراضي الزراعية، وهلكت الغابات وأصبحت فلسطين صحراء جرداء.

من المثير للسخرية، على حد تعبير إيلان، أن واضع تلك الرواية المختلقة كليًّا لم يحاول اللجوء إلى أحد من الأكاديميين اليهود ليحكم له جوانب الأكذوبة السخيفة، فمعظم هؤلاء الأكاديميين كانوا سيترددون في قبول الانخراط في مثل هذه الخرافة. كما أن بعض المؤرخين والأساتذة اليهود، أمثال الديموغرافي «دافيد غروسمان» و«أمنون كوهين» و«يوشوا بن أريه» قد تصدوا بنجاح لتلك الخرافة، وأثبتت بحوثهم أن فلسطين عبر القرون الماضية لم تكن صحراء أبدًا، بل على العكس تمامًا، كانت مجتمعًا عربيًّا مزدهرًا ومسلمًا في غالبيته، معظمه مكون من الريف؛ لكن به أيضًا مراكز حضرية نابضة بالحياة.

الحقائق التي تواجه الأكاذيب تنبع من التاريخ أيضًا، فالمؤرخون ينقلون صورة أخرى عن فلسطين عبر التاريخ العثماني، فقد كانت مجتمعًا يشبه المجتمعات العربية الأخرى المحيطة به ولا تختلف عن بلدان شرق المتوسط عامة. وبعيدًا عن أن يكونوا منغلقين أو محاصرين، كان الفلسطينيون يتواصلون تواصلًا ثابتًا مع الثقافات الأخرى التي تمثل أجزاءً من الإمبراطورية العثمانية الكبيرة.

ونظرًا لقابليتهم وانفتاحهم على التغيير والتحديث، كان الفلسطينيون قد بدأوا بالتطور نحو تشكيل أمة وهوية قومية، قبل وصول الحركة الصهيونية إلى شواطئ فلسطين بأمد طويل. وعلى يد حكام نشيطين أمثال «ظاهر العمر»() جرى تجديد وتنشيط مدن مثل عكا، وشيفامر، وطبرية وحيفا، وراجت أعمال شبكة الموانئ والمدن الساحلية لفلسطين عبر روابطها التجارية مع أوروبا، في الوقت نفسه الذي كانت المدن الداخلية تتاجر مع الأقاليم والبلاد القريبة منها.

كانت فلسطين جزءًا مزدهرًا من بلاد الشام؛ عملاق هذا العصر. وفي الوقت نفسه كانت الصناعات القائمة على المزروعات في المدن الصغيرة توفر احتياجات سكان بلغ عددهم -عشية وصول الصهاينة- نصف مليون شخص، منهم نسبة ضئيلة من اليهود. وكان عدد سكان القرى الفلسطينية في الريف يبلغ تقريبًا ألف نسمة لكل قرية، بينما النخبة المتحضرة من الفلسطينيين أسست منازلها على طول ساحل البحر، وعلى السهول الداخلية في المناطق الجبلية.

كما كان الحال في باقي الشرق الأوسط وبلاد أخرى كثيرة، تعرف المجتمع الفلسطيني على الفكرة القوية الناشئة في ذلك الوقت، مفهوم القومية؛ الذي ساد في القرنين التاسع عشر والعشرين. كان هناك توجهًا متزايدًا نحو تعريف أنفسهم كأمة مستقلة ذات هوية قومية، وكانت الأفكار القومية قد جلبها معهم المبشرون الأمريكيون الذين وصلوا في أوائل القرن التاسع عشر، وهم ينوون التبشير بالمسيحية، وفي الوقت نفسه ينشرون ما راج في الولايات المتحدة وقتها من فكرة حق تقرير المصير للشعوب. كان المبشرون الأمريكيون يشعرون بأنهم ليسوا فقط الممثلين للمسيحية في العالم، بل ممثلين أيضًالأحدث دولة مستقلة ناشئة على الخريطة العالمية.

واتجهت الطبقة المتعلمة في فلسطين لتشاطر نظرائها بالوطن العربي في هضم هذه الأفكار؛ والبدء في تشكيل عقيدة قومية حقيقية، والتي قادت التحرك نحو المطالبة بالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية. في الوقت نفسه تقريبًا، حوالي منتصف القرن التاسع عشر، كان المثقفون والنخبة السياسية في تركيا قد تبنوا أفكارًا قومية واهمة، استبدلت التركية بالعثمانية، وهذا الأمر جعل الخاضعين لسلطة إسطنبول من غير الأتراك يشعرون بالغربة عنها. وكانت القومية مذهبًا قد اصطحبت معها العلمانية عقيدة، وهو ما أزال عن إسطنبول أهميتها كسلطة دينية على الولايات التابعة لها.

في العالم العربي أيضًا كانت العلمنة جزءًا من القومنة، واحتضن المسيحيون بحرارة فكرة الهوية القومية العلمانية وتشارك الوطن واللغة والتاريخ. وفي فلسطين؛ وجد القوميون المسيحيون حلفاء لهم بين نخبة المسلمين المتشوقين للقومية، وقاد ذلك لتكاثر المجتمعات المسلمة/ المسيحية عبر أرجاء فلسطين بنهاية الحرب العالمية الأولى. وفي العالم العربي شارك اليهود في هذه التحالفات بين نشطاء القومية من مختلف الديانات، وكان الأمر نفسه سيحدث في فلسطين، لو لم تطالب الصهيونية المجتمع اليهودي هناك بالولاء الكامل لها.

هناك دراسات شاملة حول ظهور القومية الفلسطينية قبل وصول الصهيونية؛ يمكن العثور عليها في أعمال المؤرخين الفلسطينيين أمثال محمد مصلح، ورشيد الخالدي. فقد أوضحوا بجلاء أن كلا قسمي المجتمع الفلسطيني، النخبة وغير النخبة، كانوا منهمكين في تنمية حركة وعاطفة قومية قبل عام 1882 المشئوم، حين بدأت الهجرة الاستيطانية. وأن المكون الأكبر من القوميين كانوا من الأعلى تعليمًا وثقافة، كما لعبت مقاومة الصهيونية دورًا حاسمًا إضافيًّا في تحديد القومية الفلسطينية.

الخالدي وغيره من المؤرخين، أظهروا كيف أسهمت الحداثة وانهيار الإمبراطورية العثمانية والسعي الأوروبي النهم لالتهام الشرق الأوسط؛ في تقوية القومية الفلسطينية قبل أن تضع الصهيونية علامتها في فلسطين بعد وعد بلفور الشهير في 1917. وكانت الوحدة القومية والجغرافية والثقافية لفلسطين موجودة وواضحة في كل البيانات والخطابات، والشعور بالانتماء لدى الفلسطينيين نحو وطنهم الذي حملوا اسمه وثقافته، واعتنقوا عاداته وطقوسه، ومكانه على الخريطة العالمية معلوم غير مجهول.

كانت النخبة الفلسطينية قد بدأت البحث عن الاستقلال عن العثمانيين عبر محاولة الدعوة إلى دولة عربية متحدة بالشام، أو ولايات متحدة عربية تشبه الولايات المتحدة الأمريكية، ويكونون ولاية منها. لكن في أعقاب اتفاقية سايكس بيكو سيئة السمعة، انقسمت المنطقة العربية إلى دول وأمم جديدة، وظهرت عاطفة جديدة هي القومية المحلية أو ما يسمى بالوطنية.

ونتيجة لذلك أصبحت فلسطين تنظر إلى نفسها كدولة عربية مستقلة، ولولا ظهور الصهيونية على أرضها لكانت فلسطين الآن مثل الأردن أو لبنان أو سوريا. كانت دولة ريفية على وشك الدخول إلى القرن العشرين، لكن تحول استعمارها على يد الحركة الصهيونية إلى كارثة ألمت بغالبية سكانها الأصليين، بكل ما تعنية كلمة الكارثة من معنى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد