في فلسطين نرفع العلم ونرسم الخريطة ونتغنى بالأرض، لكن هذا لا يعني أننا علمانيون أو قوميون أو وطنيون، فنحن ندرك القضية ونعيش أبعادها الكاملة، وعليه نرفض هذه الشعارات وندعو الأمة الإسلامية، والعربية، وأهل الحق، دومًا لأن يكونوا حاضرين في القضية، والدفاع عنها، ومقاومة الصهيونية، كونها ليست قضيتنا وحدنا، وما نفعله والذي يراه البعض تحت قول علمانية له تفسير يدركه من يعرف القضية جيدًا ويعرف هذا المجتمع؛ فالخريطة الموجودة في كل بيت في فلسطين أو خارجها بأسماء مدنها وقراها العربية الأصلية هي تأكيد على أن هذه الأرض كاملة لنا، وليست للصهاينة الغاصبين، وإني أدعو دومًا لأن يضاف لها الجولان السوري المحتل، لتأكيد أن كل هذه الأرض محتلة ولها أهلها، وليس في هذا وطنية أو مجاراة لسايكس بيكو وتقسيماته، إنما تأكيد على هوية هذه الأرض وحتمية العودة لها، وعن العَلم فهو رمز لوجودنا وتجذرنا في هذه الأرض ووحدتنا في وجه الاحتلال الصهيوني، أما عن الأغاني ففي كل لحن وأغنية في فلسطين تدرك قصة، فليس أمر الكلمات هنا عبثي إنما لكل كلمة جذور وحكاية نبقي فيها الحق حاضر في كل موقف ومناسبة.

وفي الحديث عن المقاومة وتوجهاتها والقول المنتشر «بوجود حركات يسارية، وعلمانية، وحركات غير إسلامية، تمارس المقاومة تحت شعاراتها؛ مما أدى لعلمنة القضية أو تحولها عن توجهها الإسلامي».

هذا التوجه فيه مغالطات كثيرة، كون هذه الأرض قبل احتلالها، ووجود الصهيونية ككل، كان يعيش فيها المسلم، والمسيحي، واليهودي، والدرزي، وأقليات أخرى؛ مما يعني أنه سيكون هناك دفاع عن الحق المسلوب من كافة هذا التوجهات، وجود أغلبية مسلمة يعني أن التوجه الغالب هو إسلامي، لكن هذا لا يلغي الآخر ووجوده ودفاعه، ولا يعني ألا نتحالف معه في ظل وجود هدف واحد وقضية تمثلنا جميعًا، وهذا التحالف لمقاومة المحتل لا يعني أننا أصبحنا نملك نفس توجهات التيارات الأخرى كمسلمين، كل ما يعنيه أننا نقاوم هذا المحتل معًا، بجانب أن من يعرف التاريخ ويعرف نشأة الصهيونية يعرف جيدًا أن الوجود الصهيوني في فلسطين ليس وجود ديني، إنما فقط استخدام للدين وفق مصالحهم، وهم كالحرباء يتلونون بين التوجه العلماني والديني حسب المصلحة، لكن الأصل في وجود الصهيونية ككل علماني لخدمة مصالح الغرب.

ونشأة الصهيونية كانت على يد غير اليهود ومن شارك في التأسيس من اليهود كانوا يهود علمانيين، واليهود المتدينين رفضوا الصهيونية وإنشاء دولة يهودية بقوة، وحرمت اليهودية الأرثوذكسية العودة لما أسموه أرض الميعاد واعتبرته هرطقة من قبيل التعجيل بالنهاية، ومع هذه المعارضة الشديدة من اليهود المتدينين تعاون الصهاينة مع النازيين حتى يقضوا على يهود شرق أوروبا وهم اليهود المتدينين والذين يشكلون القاعدة العريضة التي يستند إليها الرفض الديني للصهيونية، بجانبهم تحريفهم لمتتالية العودة والتي كانت (نفي – انتظار الماشيح  – عودة الماشيح إلى فلسطين في آخر أيام – عودة الشعب تحت قيادته) لتصبح ( نفي – انتظار الماشيح – عودة مجموعة من اليهود للاستيطان في فلسطين للإعداد لعودة الماشيح – عودة الماشيح في آخر الأيام – عودة الشعب تحت قيادته) وهذا كان في سبيل إقامة حشد ديني لتستخدمه الصهيونية كمصلحة لتحقيق أهدافها، بجانب اقتحام الصهيونية لكافة التيارات اليهودية لتتوافق مع فكرها والتي كان أغلبها يرفض الصهيونية، ورغم كل هذه المحاولات إلا أن الأغلب اليهود يقيمون خارج ما تسمى «إسرائيل» ويرفضون ما تسمى «العودة لأرض الميعاد» حيث يشكل اليهود في الكيان الصهيوني ما نسبته 40% فقط من يهود العالم، ومازالت هناك جماعات يهودية دينية تقف في وجه الصهيونية بقوة كجماعة نواطير المدينة «ناطوري كارتا» رغم اقتحام الصهيونية لكافة التيارات اليهودية والعلمانية.

وتكمن الأسباب الحقيقة وراء نشأة الصهيونية في سببين جوهرين:

السبب الأول: رغبة الغرب في التخلص من اليهود، واليهود بالمجمل منبوذين في الغرب، ويعتبرهم الأوروبيون جنس أدنى، وأنهم سبب للكثير من المشاكل الأمنية، فكان الغرب بحاجة للتخلص منهم.

السبب الثاني: ظهور الإمبريالية الغربية كقوة عسكرية وسياسية تُجيش الجيوش وتنقل السكان وتقسم العالم، ووجد الغرب ضالتهم في اليهود لتحقيق أهدافهم الاستعمارية؛ فأنشأوا الصهيونية لاستخدام اليهود كجماعة وظيفية لخدمة مصالح الغرب في الشرق مقابل تقديم الدعم والحماية لهم، وبهذا يمكنهم التخلص من اليهود بجانب الاستفادة منهم كجماعة وظيفية تخدم مصالحهم في الشرق، ومع هذا نوضح أن الصهيونية وإن كانت بشكل ظاهري تحتل فلسطين فقط إلا أنها بشكل حقيقي وجدت لتحتل عالمنا العربي ككل وهي تقوم بهذا الدور وإن لم يكن علانية.

بعد كل هذا حول ما وراء نشأة الصهيونية ووجودها والتي توضح أن هذا الوجود غير ديني، هل نعريها من الجانب الديني؟

بالتأكيد لا، فإن لم يكن وجودها الحقيقي هو ديني إلا أنها تمارس اعتداءها علينا كمسلمين وكفلسطينيين وكعرب بشكل عام، وكذلك تعتدي على مقدساتنا، وبهذا لابد أن ندافع عن ديننا وأرضنا وحقنا، لكن هذا الدفاع لا يمكن أن نحصره بنا وحدنا، فهذه القضية تفتح ذراعيها، لكن من يريد أن يقدم لها شيئًا من باب ديني أو إنساني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد