يعرف كل مهتم بقضية فلسطين مدى التعقيدات المرتبطة بالقضية! ومرد هذه التعقيدات يعود في المقام الأول إلى (التشابك) المعرفي للقضية من الجوانب الدينية والتاريخية والجغرافية والسياسية والقانونية، حتى عُدت هذه القضية – بحق- عابرة للمعارف والعلوم.

 

وإذا أضفنا إلى هذا التشابك المعرفي (دور) الحركة الصهيونية العالمية في تجفيف منابع هذه القضية وإحلالها بالدعاوى الصهيونية والتي تعتمد على أكاذيب دينية ومغالطات تاريخية ومصالح استعمارية، حتى عُدت هذه الدعاوى الكاذبة – للأسف الشديد- هي الأصل عند الكثيرين، وهي الواقع التاريخي الذي لا شك فيه!

وبطبيعة الحال فقدت قضية فلسطين (الظهير) المجتمعي للقضية، وأصبحنا نسمع عبارات ما أنزل الله بها من سلطان مثل باعة الأرض والعرض! وغيرها من المقولات التي تستند فقط على الدعاوى التي أطلقتها الصهيونية العالمية. ووصلت الحالة المعرفية بالقضية إلى درجة من (الجهل) ويا ليته جهلاً عاديًا (بسيطًا)! ولكنه ما اصطلح العلماء على تسميته بالجهل (المركب)! لتركبه من جهلين، أحدهما: عدم العلم، والثاني: اعتقاد غير مطابق للواقع، فصاحب الجهل المركب جاهل بالحكم وجاهل بأنه جاهل، ولذلك قيل:

جهلت وما تدري بأنك جاهل
ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري

 

وهذا الجهل (المركب) بالقضية يستلزم جهودًا مضنية في إزالة الأوهام الباطلة والدعاوى الكاذبة والتي طالت (جميع) جوانب القضية! ثم التعريف الصحيح القائم على الحقائق لا على الأكاذيب والأوهام بالقضية على (كافة) المستويات: الدينية والتاريخية والسياسية والقانونية وغيرها، دون إغفال لجانب من جوانب القضية.

 

وأول هذه المفاهيم التي نعمل على تصحيحها هو صياغة (صحيحة) لعنوان الصراع القائم على أرض فلسطين المباركة. لأن هناك عدة مستويات مفاهيمية فى تسمية الصراع منها ما يجنح إلى التعميم، ومنها ما يجنح إلى الاختزال.

 

المستويات الثمانية في تسمية الصراع:
1- صراع الشرق مع الغرب: وهذه تسمية خاطئة لأن فيها تعميم للصراع، وكأن العالم كتلتان: شرقية، وغربية، متصارعتان ومتضادتان!
2- الصراع الإسلامي/اليهودي: وهذه تسمية خاطئة – أيضًا- لأن الأديان في ذاتها لا تتصارع.
3- الصراع العربي/الإسرائيلي: ونرفض هذا المفهوم لأنه أخرج الجانب الديني لدى العرب من الصراع، وأثبته لخصومهم بعبارة الإسرائيلي!
4- الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي: مفهوم خاطئ لأنه أخرج المسلمين والعرب من الصراع، وجعله خاصًا بالفلسطينين.
5- صراع حماس/الإسرائيلي: أخرج المسلمين والعرب والفلسطنين من الصراع، وجعله خاصًا بحركة حماس ودولة الكيان الصهيوني.
6- الصراع (العربي الإسلامي)/الإسرائيلي: مفهوم خاطئ لأن الصراع ليس مع الإسرائيلين ولكنه مع الصهاينة.
7- الصراع (العربي الإسلامي)/الصهيوني على القدس: تسمية خاطئة لأنه اختزل الصراع فقط على مدينة القدس.
8- الصراع (الإسلامي العربي)/ (الصهيوني) على أرض فلسطين: وهذا هو المفهوم الصحيح للصراع.

 

وهكذا وجدنا في مستويات الصراع منها ما يميل نحو التعميم كـ (صراع الشرق مع الغرب) ومنها ما يختزل الصراع كتسمية الصراع بـ (صراع حماس مع إسرائيل) وبينهما مفاهيم أخرى إما أن توسع دائرة الصراع كتسمية الصراع بـ (الصراع الإسلامي/ اليهودي) ومنها ما يميل إلى الاختزال كجعل الصراع صراعًا فقط على مدينة القدس، وهكذا. ولكن الحقيقة الكبرى التي لا بد ألا يكون فيها أدنى شك أن الصراع إسلامي عربي ضد دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين كلها.

إن (تحرير) فلسطين ونصرة أهلها لهو (فريضة) شرعية، ولكنها للأسف الشديد (غائبة) عن أذهان الكثيرين، ويظنون أن هذا الأمر (فضل) من عندهم قد يفعلونه إذا أرادوا وقد لا يفعلونه! ومن المتقرر شرعًا أن (الجهاد) فرض على (الكفاية) إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكنه قد (يتعين) – أي يصير فرض عين- في حالات منها: إذا حضر العدو بلدًا من بلدان المسلمين تَعيَّن على أهل البلاد قتاله وطرده منها، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب، وهكذا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ” –رواه أبو داود برقم 4884 وضعفه الألباني-.

 

وإذا كنا نرنو إلى (تحرير) الأرض المباركة من العدو الصهيوني الغاشم، فإننا أولاً يجب علينا (تحرير) القضية من الأوهام والأكاذيب، تحرير المعاني قبل تحرير المباني.

 

خطب الإمام ابن الجوزي (508هـ – 597=1116 – 1201م) من فوق منبر الجامع الأموي يستحث الناس على الجهاد قائلاً : “أيها الناس ما لكم نسيتم دينكم وتركتم عزتكم وقعدتم عن نصر الله فلم ينصركم! حسبتم أن العزة للمشرك! وقد جعل الله العزة له ولرسوله وللمؤمنين، يا ويحكم! أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم يحط على أرضكم التي سقاها بالدماء آباؤكم، يذلكم ويستعبدكم وأنتم كنتم سادة الدنيا؟! أما يهز قلوبكم وينمي حماسكم مرأى إخوان لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف؟! فتأكلون وتشربون وتتمتعون بلذائذ الحياة، وإخوانكم هناك يتسربلون اللهب ويخوضون النار وينامون على الجمر؟! يا أيها الناس، إنها قد دارت رحى الحرب ونادى منادي الجهاد وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب؛ فافسحوا الطريق للنساء يدرن رحاها، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل! فإلى الخيول وهاكم لجمها وقيودها، يا ناس، أتدرون مم صنعت هذه اللجم والقيود؟ لقد صنعتها النساء من شعورهن لأنهن لا يملكن شيئًا غيرها، هذه والله ضفائر المخدرات (النساء المستترات في خدورهن) لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحفظًا، قطعنها لأن تاريخ الحب قد انتهى، وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة، الحرب في سبيل الله ثم في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض، فإذا لم تقدروا على الخيل تقيدونها، فخذوها فاجعلوها ذوائب لكم وضفائر، إنها من شعور النساء، ألم يبق في نفوسكم شعور؟!”.

 

والله من وراء القصد وعليه قصد السبيل.
يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد