تأسست منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة أحمد الشقيري عام 1964م باعتباره ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. واتخذت المنظمة من الميثاق الوطني الفلسطيني خطًا استراتيجيًا للنضال ضد الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين.

ومن ثم ظلت تعتمد الكفاح المسلح طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين «المادة 9 من الميثاق» وترفض كل الحلول البديلة الرامية لتصفية القضية الفلسطينية رفضًا باتًا «المادة 21 من الميثاق». وظلت اللاءات الثلاث (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض) شعارًا معتبرًا لمنظمة التحرير لا تحيد عنه فترة لا بأس بها من الزمن، رغم بعض المحاولات من قبل بعض الفصائل، كتلك التي نتج عنها «برنامج النقاط العشر» عام 1974م والذي قوبل بجبهة رفض واسعة.

بعد إعلان الاستقلال 1988م، أضحت منظمة التحرير أكثر قربًا من وجهة النظر الأمريكية وانقلبت على مبادئها وجنحت للتفاوض مع إسرائيل فكان مؤتمر مدريد 1991م، ثم اتفاق أوسلو 1993م والذي نتج عنه تأسيس السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي بالضفة وغزة مقابل اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل. كما نتج عنه أيضًا إلغاء وتغيير كل بنود الميثاق التي تدعو للقضاء على إسرائيل وتم ذلك رسميًا عام 1998م بحضور الرئيس الأمريكي حينها بيل كلينتون في غزة.

بالطبع لم تحدث هذه التحولات الجوهرية في استراتيجية المنظمة بين يوم وليلة، كما أنها لم تأت من فراغ. وإنما كانت نتاج صراع طويل وصعب وأحداث متتابعة، جعلت من خيار السلام مع العدو الاستراتيجي الخيار الأسهل لرجال تبنوا يومًا أفكار الوحدة والقومية العربية في مواجهة المشروع الصهيوني، فتخلى عنهم من أوهموهم وباعوا لهم هذه الشعارات. فكيف حدث ذلك؟!

منظمة التحرير في الأردن ولبنان

بعد نكسة يونيو 1967م واحتلال كامل فلسطين، ركزت منظمة التحرير عملها المقاوم من الخارج خاصة في المناطق الحدودية مع الأردن، حيث اتخذت من طول الحدود الفلسطينية الأردنية مسرحًا لعملياتها الفدائية. وعلى إثر ذلك حاولت قوات الجيش الإسرائيلي احتلال نهر الأردن وعبرت النهر فعلًا، إلا أن القوات الأردنية تصدت لها واشتبكت معها إلى جانب الفدائيين الفلسطينيين في قتال شرس دارت رحاه في قرية الكرامة الحدودية، وانتهى كما انتهت معركة السموع 1966م بانسحاب الجيش الإسرائيلي بعد خسائر فادحة فيما عرف بـ«معركة الكرامة». وعلى الرغم من ذلك الانتصار الباهر الذي يعد نموذجًا مشرفًا للعمل العربي المشترك الذي أدى في النهاية إلى دحر العدو، تحركت القوات الأردنية فيما بعد ضد الوجود الفلسطيني على أراضيها، واشتبكت مع فدائيي منظمة التحرير فيما عرف بأحداث «أيلول الأسود» 1970م التي انتهت بخروج المنظمة من الأردن إلى لبنان.

وفي لبنان بدأت مأساة أخرى عاشها الفلسطينيون ومنظمة التحرير. فقد بدأت الحرب اللبنانية رسميًا عام 1975م ضمن حلقة من حلقات الصراع العربي الإسرائيلي، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية طرفًا محوريًا فيها. فعلى الرغم من اتفاق القاهرة 1969م والذي ينظم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان ويعترف بحقهم في القيام بعمليات فدائية انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، إلا أن المناوشات بين الجيش اللبناني والفلسطينيين لم تتوقف، بل وصاحبها اشتباكات مع المسيحيين الموارنة الذين كانوا رافضين تمامًا للوجود الفلسطيني في لبنان، ومن ثم لعبوا الدور الأكبر في الحرب اللبنانية التي استمرت لأكثر من 15 عامًا وراح ضحيتها أكثر من 150 ألف قتيل، قضوا في مجازر بشعة.

فى إطار تلك الحرب تحالف اليسار اللبناني مع منظمة التحرير التي تقاتلت مع الموارنة متمثلين في حزب الكتائب وحزب القوات اللبنانية، وكذلك مع حركة أمل الشيعية المدعومة من سوريا (القوات اللبنانية بدعم من إسرائيل وحركة أمل بدعم من سوريا هم المسؤولون عن مجازر المخيمات الفلسطينية في صبرا وشاتيلا 1 و2 ). انتهت الحرب اللبنانية بعد اتفاق الطائف 1989م إلا أن منظمة التحرير كانت قد أنهت وجودها الرسمي في لبنان منذ 1982م حيث توجه قادتها إلى تونس.

دولة داخل الدولة

عندما تسارعت الأحداث في الأردن ووصل الوجود الفلسطيني هناك إلى نهايته، كانت الأسباب وراء ذلك مفتعلة إلى حد كبير. وتم الترويج لأقاويل مفادها أن المجموعات الفلسطينية إنما تريد الانقلاب على ملك الأردن وتشكل تهديدًا حقيقيًا على الحكم هناك. وفى واقع الأمر أن ما كانت تقوم به المجموعات الفدائية انطلاقًا من الحدود الأردنية إنما كان يتعارض مع أهداف الملك حسين الذي كان حريصًا على بذل أقصى الجهود لمنع الأعمال الموجهة ضد إسرائيل انطلاقًا من الأردن خاصة بعد اتفاقية روجرز، معللًا ذلك بالحفاظ على الجيش الأردني وحياة المواطنين الأردنيين.

في تلك الأحداث التزم العراق الصمت، أما مصر فكانت قد قبلت مع الأردن اتفاقية روجرز لوقف إطلاق النار أثناء حرب الاستنزاف ومن ثم لم تتدخل لصالح منظمة التحرير. وبالنسبة للجانب السوري والذي تدخل في بادئ الأمر لصالح منظمة التحرير فقد انسحب سريعًا بعد خسائر فادحة، لأن حافظ الأسد – وزير الدفاع السوري وقتها – كان رافضًا لأي تدخل ضد القوات الأردنية. فسوريا – التي كانت تبحث عن دور في المنطقة – لم تكن تريد مساعدة منظمة التحرير في مواجهة الاحتلال بقدر ما تريد منها أن تخدم مصالحها الخاصة، وإذا حدث عكس ذلك تكون النتيجة الحرب والاستئصال.

وعلى الرغم من الهزائم التي منيت بها سوريا في مواجهة إسرائيل، نجدها تستأسد على منظمة التحرير بدلا من التعاون معها لدحر الاحتلال. ونجدها تستخدم بعض فصائل منظمة التحرير التي تقوم بتدريبها باعتبارها مليشيات خاصة تأتمر بأمرها وتحقق أهداف النظام السوري وهو أمر مستمر حتى الآن.

وفي لبنان لم تختلف المبررات كثيرًا للانقضاض على منظمة التحرير هناك. وتم الترويج لنفس الأقاويل من حيث إن المنظمة قد قويت شوكتها وأصبحت بمثابة دولة داخل الدولة وتهدد أمن الدولة اللبنانية. وقد اتخذ الصراع هناك أبعادًا طائفية خطيرة.

السلاح الفلسطيني خط أحمر أم ضوء أخضر

لم تكن نشأة منظمة التحرير الفلسطينية نشأة فلسطينية خالصة بمعزل عن الدول العربية الأخرى، وإنما تأسست المنظمة تطبيقًا لقرار مؤتمر القمة العربي 1964م بالقاهرة. كما جاء الميثاق الوطني الفلسطيني معبرًا عن القرار الفلسطيني والعربي بالإجماع، من ثم فإن ما حدث مع المنظمة وفدائييها من قبل بعض الدول العربية – كما تم التوضيح مسبقًا – يعد ضربًا من الخيال، بل ويتعارض مع الأهداف التي من أجلها تم تأسيس المنظمة، ويتناقض كذلك مع بنود الميثاق الوطني حينها، والتي تتخذ من الكفاح المسلح طريقًا وحيدًا للتحرير، وكذلك مع تلك التي تنص على أن: «تحرير فلسطين هو واجب قومي تقع مسئوليته كاملة على الأمة العربية شعوبًا وحكومات ومن أجل ذلك عليها أن تقدم للشعب الفلسطيني كل العون والتأييد المادي والبشري، وتوفر له كل الفرص الكفيلة بتمكينه من القيام بدوره في متابعة ثورته المسلحة حتى تحرير وطنه». مادة 15 من الميثاق والتي تم إلغاؤها فيما بعد.

كامب ديفيد بداية النهاية

إذا جاز لنا أن نصنف المعوقات التي واجهت منظمة التحرير ومنعتها من القيام بالدور المنوط بها، فإننا يمكننا أن نضع كل ما سبق ذكره في كفة بينما نضع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في الكفة الأخرى. فمصر – بوصفها قلب الأمة العربية وقاطرتها – قد مهدت الطريق بتلك المعاهدة لتاريخ طويل من التنازلات العربية.

فبعد أن تصالحت مصر مع عدو الأمة الاستراتيجي، أصبحت كامب ديفيد هي الحلقة الأولى من حلقات تسوية الصراع العربي الإسرائيلي وفق الرؤية الأمريكية. إذ ربطت مصر تصالحها مع إسرائيل بتحقيق تسويات مماثلة على الجبهتين الأردنية والفلسطينية. فكانت أوسلو 1993م (منظمة التحرير الفلسطينية – إسرائيل) ثم وادي عربة 1994م (الأردن – إسرائيل). تبع ذلك قيام اللجنة الرباعية بوضع خارطة طريق لإتمام عملية سلام دائم في الشرق الأوسط وفق حل الدولتين.

خاتمة

يعد ذلك التحول الدراماتيكي في تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية وما آلت إليه الأوضاع في فلسطين، أكبر دليل على زيف ادعاءات النخب القومية وعجز النخب الإسلامية. فالسلطة الفلسطينية التي تحاصرها المستوطنات الإسرائيلية من كل جانب لم تجن من كل ما حدث سوى بعض المهام الأمنية والمدنية فشلت في معظمها بسبب الاحتلال والانقسام. والنخب الإسلامية أصبح أقصى طموحها حل الدولتين، بينما لا نبالغ إذا قلنا إن النخب القومية قد أصبحت طرفًا فيما يعرف بصفقة القرن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد