بعد أن تم التوقيع في جمهورية مصر العربية على إنهاء أطول انقسامٍ شهدته الساحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، تلقّى الشعبُ الفلسطيني زلزال الخبر بابتهاجاتٍ واحتفالات عارمة، على إثر ذلك تم ضرب الأراضي الفلسطينية بزلزال بقوة إحدى عشرة درجة لسدِّ الانقسام الفلسطيني الأسود اللعين، الذي أرهق بتفاصيله حياة الفلسطينيين بشكل عام، وأهالي قطاع غزة بشكل خاص، زلزالٌ بهذه القوة، قذف بالانقسام وطواه بين أدراج الرياح دون عودة، وعادت السلطة الوطنية إلى القطاع بعد غيابٍ أكثر من عشر سنوات باستقبال مهيب غير مسبوق، بعد أن اكتشفت حماس أن معركتها الأساسية هي مع نفسها وليست مع الغير.

لقد استطاع هذا الزلزال أن يضرب عُمْق المخطط الصهيوني الذي تغلغل بين ثنايا الانقسام في إفشال أي مصالحة كان يكتب لها النجاح، فيما تزال (إسرائيل) تلعب دورًا في إنعاش الانقسام وتغذيته وتعميقه، من أجل أن تستفيد (إسرائيل) من استمرار الانقسام لتدعيمِ مشروعها الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، والرضوخ لسياسة الأمر الواقع والانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة وغزة، فمستقبل الفكر (الصهيوني) سيبقى هاجسًا ومستمرًا يلوح بالانتصار الفلسطيني- الفلسطيني بدبلوماسيته التي شكلت مصدر قلق (لإسرائيل)، فعليه يجب طيّ هذه الصفحة وتبعاتها والتفكير بالبناء بعيدًا عن النمط التسلطي الذي أنهك الشعب لأكثر من عشر سنوات، وقضى على أجيالٍ توارثت آهات الانقسام، وبدون عنوان وفائدة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو بيئية أو وظيفية، على أثر الانقسام تراجعت القضية الفلسطينية للوراء جرَّاء حروب غزة، وتفشت أبشع وأروع أساليب القتل النفسي، والأمراض السرطانية التي ازدادت بين أبناء الشعب الفلسطيني بغزة بدون علاج، رغم ذلك ضرائب، جباية، تعليم، طب يحتاج إلى ترويض لإعادة قوته.

فالفرحةُ التي تعم قطاعَ غزةَ الآن مرسومةٌ بأمل البقاء وبقلوب صافية تتعانق بعد انتهاء مؤتمر إعلان المصالحة بالرعاية المصرية، وفي تلك اللحظة حملت جميع فئات الشعب الأعلام الفلسطينية والمصرية وصور الرئيس محمود عباس، وشكروا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رعايته لتوحيد الشعب وإنهاء الألم الفلسطيني، مهللين على سبيل المِزاح (لم يتفقوا في الحرم ولكنهم اتفقوا في الهرم)، فيجد الفلسطينيون أن إنجاز ملف المصالحة ضروري إزاء إدراك خطورة المأزق الفلسطيني الراهن، لاستكمال المسعى الأممي لإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

والمصالحة ينطوي عليها ضرورات تاريخية من شأنها أن تحدث تغيرًا جذريًا في القراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتغيير الوضع الفلسطيني من حالة الانقسام إلى حالة الازدهار والتقدم، هذا وقد يصطدم الوضع الجديد بجملة من المعيقات تحتاج فترة من الزمن لإعادة ما تم تدميره خلال سنوات الانقسام العجاف التي مضت، لذا يجب أن يكون حوار وطني جاد بمشاركة جميع أطياف الفصائل للخروج من الذات، والتوصل إلى خارطة طريق فلسطينية تُخرج الكل من عقبات الانقسام لبناء بداية الطريق الصعب والاستقلال من دنس الاحتلال، فلا بد أن تطبق بعض القرارات والإجراءات العملية الملموسة من القيادة على أرض الواقع لتغيير الأوضاع لاستعادة الثقة ثانية للشعب الذي دفع ثمن الانقسام، فيجب قراءة المشهد الفلسطيني بالسؤال ما بعد المصالحة:

كيف يمكن توظيف المصالحة الفلسطينية لتوحيد الكلمة الفلسطينية في انتزاع الحق الفلسطيني المسلوب؟

هل يمكن توظيف المشروع الوطني بإطار منظمة التحرير الفلسطينية كمشروع سياسي نضالي أمام التعنت الإسرائيلي لإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس رغم الظروف الصعبة التي تمرّ فيها القضية الفلسطينية؟

هل ستنسحب (إسرائيل) من الضفة الغربية كاملةً كما انسحبت من قطاع غزة أحادي الجانب 2005م؟

هل تدخل القضية الفلسطينية ضمن تسوية عربية إقليمية دولية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد