لا يمكن لأي شعب على وجه الأرض، مهما كانت طبيعته، أن يقبل بوجود محتل أو غاصب على أرضه، وينشأ عن حالة الرفض هذه نوع من المقاومة والممانعة، تكون على عدة أشكال وأوجه، تبدأ من الرفض الوجداني والشعوري، إلى أن تصل إلى الرفض بالقوة، وتتشكّل خلال مراحل تطور مقاومة المحتل الغاصب أحزاب وتكتلات كانت تعتبر قديمًا نخب ممانعة، تختلف بينها في الفكر والممارسة والأساليب، على أنّ المفروض منطقا وتاريخا أن تكون متكاملة ومتناسقة ومتضافرة في الجهود على هدف واحد؛ هو التخلص من ذلك العدو.

وخلال الصراع الطويل مع المحتل تذوي أفكار وتصعد أخرى، أي أنّنا نتحدث عن متغيرات قابلة للتعديل والإلغاء والذوبان بناء على طبيعة أفكارها وبرامجها، وهذه سنة أي صراع مرّ في التاريخ، أي أنّ ما كان صالحا أيام جعجعات الثورية العربية، من تعبئة وحشد لم يعد صالحا بعد الخيانة الفجة من جميع الأنظمة العربية، إذا اتخذّنا القضية الفلسطينية مثلا قريبًا وشاهدًا حيًّا، ويمكن القول أيضا أنّ ما كان مقبولا قبل الربيع العربي المفترى عليه، لم يعد ذا قيمة أو اعتبارًا بعده، وهكذا دواليك في كلّ محطة مفصلية في حياة الأمّة.

بعد ما سبق، يبقى أن نتفق على قاعدة واحدة مهمة ليكتمل ما نريد من كليماتنا هذه، وهي أنّ الشعب هو الأساس والحاضنة لأي مشروع فكري أو سياسي، ولا يمكن تجاهله أو القفز عنه وعن رغباته وتوجهاته. فالنخب تعتبر نخبا عند طوائفها وأحزابها وجماعاتها، وليست نخبا تمثل الشعب بمعنى التمثيل الكامل الشامل، فالاختلاف بين الناس قاعدة ثابتة غير قابلة للتعديل عوضًا عن الإلغاء؛ أي أنّ اقتناعك بفكرة ما وتطبيقها يلقى قبولا عند البعض دون غيرهم، وفي الجهة المقابلة هناك من يقف ضدك يحمل قناعاته وأفكاره وأدلته الهادمة لفكرتك والناقضة المفندة لها، إذ تسري صفة النقص على أي فكرة يخترعها البشر حتى في فهمهم للكامل من ناحية تصوراتهم ومعتقداتهم.

بعد هذا التقديم نقف مع حالة لافتة في قضيتنا الأمّ، قضية فلسطين، حيث عركتها السنون بأكثر من فكرة وحزب وتيار، وفي كلّ مرة كانت تلك الأفكار تمارس عقلية الذل والتقهقر العربي بعد انفراط عقد الوحدة العامة للأمّة وإن بصورة ظاهريّة أحيانًا، حيث تمارس الأحزاب والتيارات الفلسطينية نوعًا من الأبويّة الثوريّة ضدّ أبناء الشعب، وقد يعترض البعض مباشرة دون تحقيق أو تمحيص، وهذا ليس مقام التفصيل لكلّ حزب أو تيار لطبيعته ممارساته الأبويّة الثوريّة، فكل يعرف أين يبالغ وأين يحجم تبعًا لمصلحته وفهمه الخاص. ففي كلّ مرة يهب الشعب منتفضًا من أجل قضية ما نجد أنفسنا أمام نفس الأفكار والتيارات والأشخاص التي تتخذ من نفسها منبرا للتوجيه والإرشاد وبنفس الطرق في كل مرة، وعلى نهج الأبوية الثورية الملتصق بالقضية منذ عقود.

وأول جهة نقف معها هي ما اصطلح على تسميته – ترفًا – بالنّخب، وهي خليط من محررين ومقاتلين سابقين ومثقفين ونشطاء من مختلف المشارب والتوجهات، حيث يتناولون القضايا بصورة التعامل المقولب، أي أنّ الوصفة عندهم جاهزة وحاضرة وما عليك كمتلق إلّا أن تبادر وتفعل، دون مراعاة الظروف الموضوعية للشخص أو الحاضنة الشعبيّة أو الظروف المتعلقة بتركيب المجتمع، حيث يمكن تخيّل التركيبة العقلية لهؤلاء كالآتي؛ يعتقدون أنّ الظروف التي يعيشونها في مواقعهم المختلفة والبعيدة عن مكان الحدث هي الظروف السائدة في كلّ العالم. أي أنّهم في بعض المواقف يكونون في حالة تشبه الانخطاف الصوفي الناتج عن الإيغال في حالة الدروشة والدوران طربا أو ذكرا، وهؤلاء للاسف يعيشون اللحظة والظرف بصورة مقطوعة ومقتطعة عمدا من السياق الموضوعي للظرف الأصل مناط التنظير والتوجيه.

وهذا لا يعني أنّ الحديث عن جهة أو أشخاص سيئين أو معادين للقضية، وإنّما الحديث عن طائفة قدمت سابقًا ولا زال بعضها يفعل، تظنّ أنّ التقديم السابق يعتبر مفتاحًا لمخاطبة الشعب وأفراده على طريقة الأبويّة الثورية، وتوجيه النقد اللاذع والسب الجارح أحيانا بناء على ثقافة الأبويّة الثورية، وأنّ الولاء والبراء مبني على آرائهم لا على المعتقد الأساس النابع من الدين الإسلامي الحنيف، ويمكنك الوقوف على هذا التناقض في مجريات المصالحة التفصيلية وتحديدًا في ترويج الفئة المتحدّث عنها للمصالحة من كلّ الأطياف دون استثناء وهذا مثال يكفي.

الفئة الثانية، وهي فئة المحللين، والحديث عن البعض ها هنا، فهؤلاء يبوءون بإثم موسمية التفاعل مع أي قضية. وذلك ظاهر في كل المراحل السابقة في قضيتنا على المدى القصير – منذ عام مثلا – حيث تجد نفسك غارقا في سراديب المجتمع الصهيوني، تنتقل من قضية لأخرى دون أن تعلم الرابط بين المواضيع، فبعض الأحيان تجد أحدهم يشعرك أنّ ليبرمان هو من يدير الكون، وأحيانا تجد آخر يشرح لك ممعنا ومستمتعا عن أحكام القرابين عند اليهود الأرثوذكس ولا تدري ما الفائدة المرجوة. وعند البعض تظنّ نفسك قد تم ّ اعتقالك في قاعدة سرية وهو يشرح عن عتاد الصهاينة ونخبهم وفرقهم وهنا تحديدا نسأل، ما الفائدة العائدة عليّ كمواطن فلسطيني من مثل هذه المعلومات؟

وهذه الفئة يحدث أنّ بعض أفرادها يودّ إرغام المشاهد والمتلقي على قبول رأيه وتحليله كأنّه الحق المطلق، وإذا تفاعل مع قضية ورآها أمّ القضايا، فمن لم يحمل رأيه باء بالويل والثبور وسوء العاقبة!

ختامًا، ليس كلّ ناصح يمارس الأبويّة الثورية، ولا كلّ محلل يمارس فوقيّة العارفين، لكن لا بدّ أنّ ندرك أنّه لا تحرّر ولا تحرير، ما دام البعض ينظر إلى الشعب على أنّه تحصيل حاصل، وكتلة قابلة للتوجيه دون وعي أو حتى نوع من الاحترام لهذا الكيان الأصل. فالربيع العربي – المفترى عليه – أثبت أنّ النخب تابعة للشعب، وأنّ المنظرين داستهم أقدام الجموع الغاضبة ومن ثم لم يستطع معظهم الاستدراك، لأنّ السياق سياق تاريخي، وليس زلة قلم أو فلتة لسان هنا أو هناك، وربما من المفيد جدا الآن، أن نتوقف عن الشحن العاطفي البغيض وتحريك الجماهير على طريقة مظلوميات التشيّع وفرقه، أو ثقافة الغيتو المنشئة للكيان الصهيوني. فعندما تقول أنّ أهل مكة أدرى بشعابها في مسألة تخصّك فكرا أو ممارسة أو تنظيرا، فتأكّد أنّ أهل كل قضية أدرى بشعابها ومسائلها بصورة قد تفاجئك. والله غالب على أمره ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد