Yara abu shanab
Yara abu shanabصحفية

تتمثل الأحداث المتسارعة التي تمر بها منطقتنا العربية عامة ومدينتي الحبيبة غزة خاصة بحفرة عميقة، الجميع يقف فيها على الهاوية، بعضهم من سقط وبعضهم ما زال منتظرًا متشبثًا بالحياة على أمل التغيير نحو الأفضل ولكن.. طال الانتظار.

في ظِلِّ حالة انعدام الاستقرار التي نشهدها، أصبحت تلك الأحداث تلقي بظلالها على الأجيال القادمة، وأبرزت الوجه السلبي الذي لم يستطع البعض إخفاءه، فكل المساوئ التي خلّفتها الحروب والمنازعات الحزبية الداخلية والحصار والدمار والفقر؛ كانت وما زالت سببًا في تكوين الصورة السوداوية لدى أفراد المجتمع، وعَصَفَتْ عن بناء مستقبلٍ واعدٍ لتنتجَ جيلًا آخر بمفاهيم وأفكارٍ عدائية.

التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحجم التأثير الذي تركته مشاهد الدمار والقتل؛ حولت الصورة الإيجابية وتأمُّلات الشباب في واقع الأمة إلى حالة من التذمر والتمرد الجماعي؛ لكون الشباب الفئة الأكثر تضررًا بالرغم من أن تلك الأحداث طالت جميع شرائح المجتمع بكافة فئاته العُمْريّة.

لا يخفى على أحد الواقع المرير الذي يعيشه الشباب الفلسطيني في هذه الحقبة السيئة التي تمر على شعبنا والتي ضربت جميع متطلبات الحياة، وللحديث عن واقع قطاع غزة على وجه الخصوص، نجد أن هذه المدينة الأكثر بؤسًا ومعاناة تشغل اهتمامًا كبيرًا عند الدول المعادية وكأنها (محور الكون)، وتجد الحياة هنا كما هو سجن كبير يحوي مليوني مسجون، منتهكي الحقوق والحريات، وقد ملأ الإحباط واليأس وانعدام الأمل قلوبهم.

الاحتلال والانقسام وانشطار الوطن، جميعها مسببات لاتساع الجرح الذي يضرب عَصَبَ الحياة، القضية هنا لم تعد حصارًا وفقرًا فحسب، بل وصلت إلى ما هو أخطر، وهو الحرب النفسية والخوف من القادم والواقع الذي ينذر بمصائب كارثية إذ بَقِيَ الحال كما هو عليه الآن.

الكثير من حاملي الكاميرات الفوتوغرافية والنشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي يحاولون إظهار غزة بحالة جيدة، نسعد بها كثيرًا، ولكن تلك الصور لن تنسينا الواقع، فتلك الصورة لذلك المسجد المضيء لن تنسينا حقنا المسلوب بالكهرباء منذ أحد عشر عامًا، والشوارع المزينة بالأشجار والورود الملونة لن تغضّ أبصارنا عن مشاهد الدمار التي خلفتها ثلاثة حروب متتالية، ومناظر الشهداء والجرحى الملقون على الإسفلت، والمعابر المغلقة لا سيّما معبر رفح الذي نَصِفهُ بالشريان التاجي المغذي لغزة. تلك الصور لن تعيد الطفل طفلًا، ولن تنسي مبتور القدم قدمه، ولن ننسى العائلات المشردة القاطنة تحت خيمة من قماش في أحد شوارع المدينة، والمرضى العاطلين عن العمل والجائعين البائسين… لن ننتهي من تعداد المآسي؛ فالعدُّ يطول.

في غزة فقدت الإنسانية مضمونها، وللحظة بدا كأنّ أبواب السماء أغلقت في وجه هذه المدينة البائسة والفقيرة من كل شيء إلا من الدم الذي تدفعه ضريبةَ استمرارها وتمسكها بالحياة، في غزة يبدو كل شيء كئيبًا، فكيف لنا أن نعيد صورتها الجميلة قلبًا وقالبًا؟!

عليه، فإنّ بناء صورة إيجابية للأجيال القادمة لمحاولة إعادة روح الحياة في قطاع غزة يحتاج منّا جهدًا كبيرًا لإيقاف حالة التخبّط والعشوائية؛ لأن هذا الأمر قد فاق قدرة الجميع، وأصبحت غزة تلتقط أنفاسها الأخيرة باحتضارٍ وصعوبة.

لكلِّ الذين جعلوا منها سجنًا كبيرًا، لكل من وقف ضاحكًا على ألمها، لكل الذين تخاذلوا وجعلوا منها نسخة من جهنم، لكل من يُصَفّونَ حساباتهم مع الأبرياء، لن تغفر الأجيال للمتسببين في عرقلة بناء الحياة، والمسارعين لنثر بذور الفرقة، الداعين لضياع الأوطان وسلب حقوق الإنسان لنعيش حياتنا تحت وطأة الفقر والتشرد وفقدان الأمل والأمان، لن نغفر أبدًا، وبأيدينا سننهض للبناء يومًا، دون كللٍ أو ملل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك