عندما نسمع كلمة دبكة تسافر بنا مخيلتنا إلى بلاد الشام، أهل الرباط والثباث نتذكر معًا ذلك الشاب العازف ورفيقه الذي يضرب الطبل جاعل من تناسق الأنغام موسيقى جميلة تنعكس على ذلك الفتى الراقص يقفز تارة ويضرب قدمه على الأرض لتكون هذه الرقصة بالموازات مع تلك الموسيقى عنوان لصمود شعب مقدسي يكتب بحروف معطرة برائحة الزيتون الفلسطيني ها أنا ذا هنا، الأرض أرضي لن أفرط بشبر منها صامد بثقافتي مقاوم بترسيخها جيل بعد جيل.

فلا شك أن ثقافة أي شعب وأمة تتكون من لغة وأدب وموسيقى وفن وتراث وعادات، وأحد أهم روافد الثقافة الفلسطينية هي أنغام ورقصة الدبكة المتوارثة بين مختلف أجيال الشام الكبير فقد توارثها الفلسطيني جيل بعد جيل لتكون سلاح ثقافي فلسطيني لمواجهة ثقافة عبرية مصطنع.

الصراع الثقافي بين أهل الأرض ودولة الاحتلال:

مرت سبعة عقود كامله من إعلان قيام الكيان الصهيوني كدولة معترف بها، دولة مشكلة من شتات شعب يهودي زائف بهوية مصطنعة فلا يزال المجتمع اليهودي يعيش أزمة تعريف للشخصية اليهودية هل هي شخصية دينية أم عرقية؟ وفي ظل هذا الصراع برزت أزمة ثقافية لم تكن في الحسبان ساهمة بشكل من الأشكال في إضعاف شخصية اليهودي من الناحية الهوياتية، فقد عمل قادة الحركة الصهيونية وزعماء إسرائيل دومًا وبكل ما أوتوا من قوة على جعل الدولة العبرية بمثابة «البوتقة» التي تنصهر فيها شتى الثقافات التي انتمى إليها اليهود قبل هجرتهم لإسرائيل، ليكون نتاج عملية الانصهار هذه «الثقافة الإسرائيلية» التي طمحوا لأن تساهم في تشكيل شخصية اليهودي «الإسرائيلي».

لكن الواقع يؤكد أن الدولة العبرية لم تفشل فقط في «صهر» الثقافات المتباينة للمهاجرين، ودمجها لإنتاج «الثقافة الإسرائيلية»، بل إن القائمين على الشأن الثقافي في الدولة العبرية باتوا يدركون أن توحيد الهوية الثقافية بين اليهود كان أمرًا مستحيلًا بسبب التباين الكبير بين الطوائف التي تشكل المجتمع الإسرائيلي، وبالعودة للغناء فإن الفنانون في إسرائيل ظلوا متمسكين بثقافة الشعوب التي تعايشوا معها وانصهروا فيها ولازالوا يغنون بلغاتهم مؤكدين للعالم أجمع أنه لا وجود لثقافة يهودية إسرائلية متكاملة، فبالرغم من العداء العربي الصهيوني، وبالرغم من التقدم التكنولوجي والعلمي والحتى الحربي لدولة الاحتلال إلا أنها انهزمت ثقافيًا وفنيًا فقد ثبت أن نسبة الاستماع للأغاني باللغة العربية في دولة الاحتلال وبين قاطنيها أكثر من نسبة الاستماع لباقي اللغات.

كما ثبت أن العائلات الراقية في دولة الكيان تحيي سهرات الزفاف بالأغاني العربية، بالإضافة لما لاحظه متتبعي النشاط الثقافي في إسرائيل من سرقة لألحان الأغاني العربية من عدة فنانين في الأغاني العبرية، وعلى سبيل المثال لحن أغنية «أهافتي أهافتي» (محبوبتي محبوتي) التي يؤديها نجم الغناء العبري آفي جولان هي في الحقيقة لحن أغنية «مريم مريمتي» التي يؤديها أحد المطربين اللبنانيين. وبعض المطربين يسافر إلى بعض الدول العربية في محاولة للعثور على ألحان لأغاني قديمة تترك أثرًا في نفوس اليهود الشرقيين، كما فعلت المطربة زهافا بن التي سافرت لليمن من أجل الحصول على ألحان تتناسب مع أذواق المهاجرين من اليمن.

أحد الأدلة على فشل اليهود في اصطناع ثقافة ثقافة لليهود، هو حقيقة أن العديد من الجمعيات اليهودية أصبحت تعنى ببعث الثقافة الشرقية في الدولة، فعلى سبيل المثال أقيمت فرق موسيقية تعنى بالتغني بالشعر العربي الذي نظم إبان وجود اليهود في الأندلس، وهناك فرق تعنى بغناء الموشحات الأندلسية التي نظمها الشعراء العرب في تلك الحقبة. ويحرص رجال أعمال يهود على تمويل أنشطة هذه الجمعيات.

الحديث في المجال الثقافي يطول، لكنه يبعث فينا أمل كل ما قرأنا عنه وبحثنا فيه فهو يزيدنا أمل أنه لا وجود لدولة إسرائيل فبموسيقى على أنغام الطبل والمزمار حقق الفلسطينيون انتصارًا ثقافيًا مؤكدين أن فلسطين للفلسطينيين فهوية الشعب ثقافته ثقافة مصطنعة، مزيج وخليط بين عدة ثقافات لن تصمد أمام ثقافة أصلية تتوارثها الأجيال ضاربين الأرض برفسة قوية تؤكد ثباتهم على نهج المقاومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدبكة, هوية
عرض التعليقات
تحميل المزيد