في ظل الحديث عن انتشار الفيروس العالمي فيروس «كورونا» (Covid –19) والذي يشكل خطرًا لم يسبق له مثيل على البشرية بلا استثناء، ويفتك بالمجتمعات فقد أعلنت حالة الطوارئ القصوى في جميع أنحاء العالم ووصل إلى كل مكان في هذا العالم حتى أنه وصل إلى قطاع غزة المحاصر، وبالرغم من فرض الحجر (اللا صحي) منذ أكثر من 14 عامًا عليه والذي لا يملك أي إمكانات لمواجهته، وعلى الرغم أيضًا من وصول الفيروس المدمر إلى كافة الأراضي الفلسطينية، إلا أن الشارع الفلسطيني قلل من خطورة الأمر، والكثير منهم تعامل مع الأمر، وكأنه أمر تافه لا يستحق المقارنة بينه وبين الفيروسات التي تواجه المجتمع الفلسطيني فالشعب الفلسطيني يعاني من مرض خطير جدا وهو «فيروس الانقسام»، وهو فلسطيني النشأة ظهر منذ أكثر من 14 عامًا والمفارقة بينه وبين الفيروسات البيولوجية والأوبئة الخطيرة أنها ومهما كانت درجة خطورتها عالية، إلا أن العالم كله يتجه نحو مواجهتها ويتم ضخ وتخصيص المليارات من أجل مواجهتها، وإيجاد اللقاحات اللازمة للقضاء عليها.

أما هذا الفيروس وعلى مدى 14 عام تم ضخ المليارات من أجل تطويره وتثبيته ويسعى العالم لجعله أساسيًا في حياة الفلسطينيين، أما من جهة الخطورة فإن هذه الفيروسات تهاجم البشر فقط، وقد تقتل وتنهك أجسادهم و«كورونا» تحديدًا يقتل كبار السن، ولم يقترب من الأطفال، ولم يقتل الشباب، أما فيروس الانقسام الفلسطيني قتل وعلى مدى 14 عامًا 2 مليون فلسطيني يعيشون في قطاع غزة وفرض عليهم الحجر (اللا صحي)، حيث يعيشون في سجن كبير بعض الشيء، وبغض النظر عن استطاعة عدد لا بأس به الهروب من هذا السجن إلى المجهول والكثير منهم الآن في عداد المفقودين، والكثير منهم من واجه الموت في بحار الموت هربًا من الموت في القطاع، وقد كتبت مقالًا بعنوان دفنت في غزة يتحدث عن تفضيل شباب غزة الموت في قوارب الهجرة «قوراب الموت»، والأكثر خطورة هو هجرة الكفاءات، وخصوصًا الأطباء، هذا بدوره عزز العجز في أعداد الطواقم الطبية التي ستعمل في ظل هذه الأزمات، ومن أخطر نتائج الإصابة بهذا المرض أنه قتل روح الوطنية لدى الكثيرين، وعزز روح الحزبية، وبعضهم أصبح يعاني من حالة العبودية التي يعيشها مع الحزب الذي يتبعه، وساهم هذا الفيروس في قتل روح التضامن العربي والدولي مع القضية الفلسطينية.

فانشغال الفلسطينيين داخل وخارج فلسطين بقضية الإنقسام أدى إلى تراجع نسبة المتضامنين مع القضية الفلسطينية، وكذلك انشغال السفارات الفلسطينية بتلبية المصالح الحزبية أبعدها عن تأدية دورها الأساسي، وهو حشد الدعم والمناصرة للقضية الفلسطينية، ولقد أصبحت جميع الأحزاب تلعب أدوارًا سلبية وتأخذ بالقضية إلى المربع الأول.

أما اللقاحات التي تمت إنتاجها لمواجهة فيروس الانقسام، وهي لم تكن إلا فيتامينات ومكملات لهذا الفيروس، فقد كانت قد عملت على تقوية الانقسام وبعد كل لقاء ومحاولة يتعمق الخلاف أكثر مما كان عليه وكانت أولي المحاولات في  السعودية، حيث يوجد أحد المختبرات التي حاولت إيجاد اللقاح المعالج، ولكنها وللأسف الشديد لم تنجح، بعدها بعدها حاولت دولة مصر الشقيقة إيجاد اللقاح المناسب، وكان تحت إشراف المخابرات المصرية، في حين رأى الكثير من الصحافيين والساسة الفلسطينيين أن تسليم ملف المصالحة للمخابرات إهانة للقضية الفلسطينية، وكان من الأولى أن تتولى الرئاسة المصرية هذا الملف نظرًا لأهميته، ولكن المخابرات فشلت مع العلم أنها أكثر من استضاف الملف في القاهرة، وكان أيضًا للدوحة نصيب في محاولة تجربة أحد اللقاحات، ولكنها أيضًا فشلت بالرغم من الدور الكبير الذي تلعبه في نصرة القضية الفلسطينية حتى أن الفصائل الفلسطينية حاولت إنهاء الخلاف داخليًا في عدة مراحل ومحاولات، أولها وثيقة الأسرى، وبعدها اتفاق الشاطئ، وقد تبادلت «فتح» و«حماس» الاتهامات بشأن عدم تمكين حكومة التوافق مع العمل في قطاع غزة، وعدم الالتزام بتنفيذ بنود اتفاق الشاطئ، وآخرها ما طرحته ثماني فصائل فلسطينية ما سمتها «المبادرة الوطنية» لتحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام، جميع اللقاحات فشلت، والسبب الأكبر هو غياب الشراكة.

لا ريب أن ثقافة الشراكة الوطنية غائبة تمامًا عن التفكير الفصائلي الفلسطيني، وما تم تداوله طيلة المرحلة الماضية عن استدعاء قيم ومفاهيم الشراكة السياسية في إطار اتفاقات وتفاهمات المصالحة ظل يراوح فقط في إطار الشعار المجرد لأغراض الاستهلاك الداخلي، لنكتشف أخيرًا أننا أمام واقع مؤسف تغلب عليه ثقافة الهيمنة والاستحواذ والرغبة في إقصاء الآخر فقد بلغ الاستهتار والتردي الفصائلي مدى مزعجًا تقزمت معه القضية الفلسطينية والمصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وتضخمت فيه الذات الفصائلية، وطغت فيه الرؤية الفصائلية الضيقة على حساب الرؤية الوطنية الجامعة.

أما اللقاح الأنجع والأكثر فعالية، وليس هناك وقت للانتظار لتجربته، أن يعلن الشعب الفلسطيني عن انتفاضة تسمى انتفاضة إنهاء الانقسام، وإعلان العصيان المدني في قطاع غزة، والضفة الغربية، والأراضي المحتلة عام 1948 وفي جميع دول العالم أمام السفارات والقنصليات الفلسطينية  لإجبار الفصائل على تقديم التنازلات، وإنهاء هذا الانقسام حتى يتفرغ الشعب الفلسطيني لمواجهة القضايا والمشاكل العالقة بسبب هذا الانقسام، وأخيرًا يجب على الشعب الفلسطيني ألا ينسى أن إنهاء هذا الانقسام هو المقدمة الوحيدة لتحرير فلسطين.

أما عبارة «انتهت حلول الأرض والأمر متروك للسماء» والتي نسبها بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي لرئيس وزراء إيطاليا، وثبت عدم تصريحه بها، وأنه لم يقلها، فإنها تناسب حال الفلسطينيين، وخصوصًا الفلسطينيين في قطاع غزة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد