الانتخابات.. حين تكون معاركنا وهمية

ثلاث عشرة سنة مضت، نصفها ذهب في تفسير تبعاتها؛ وأحقية هذا الطرف أو ذاك بالسيطرة على معترك الحياة السياسية ومدى شرعية كل طرف من الأطراف، والنصف الآخر من تلك السنوات ذهب في أمنياتٍ بأن يُعاد نفس المشهد الذي كانت تبعاته كما رأينا، ولكن بقليل من الوعي بأن النتائج لا يجب أن تصل بنا إلى ما حدث من أحداث مأساوية كما السابق، وأننا يجب أن نحترم النتائج مهما كانت.. بالضبط كأن تُمضي سنين من عمرك باحثًا في عالم الفضاء ثم تكتشف بعد زمن أن الكرة الأرضية كروية الشكل لا مُسطَّحة!

في المجتمعات المستقلة، يتحدث المنطق عن نفسه حين يطالب أفراد الشعب بإجراء انتخابات يشاركون من خلالها في اختيار من يحكمهم، فالانتخابات في أي دولة هي تجسيدٌ لإرادة الشعب في اختيار من يحكم وطنه الذي يتمتع بأشكال السيادة التي تؤهله لأن يكون دولة، أما حين يكون الشعب والوطن تحت احتلال، فما المنطق الذي ينطلقون من خلاله لتجسيد إرادتهم في اختيار أشخاصٍ لن تتجاوز مهمتهم عملية إدارة جهازٍ بيروقراطي كان من الأولى أن يكون عبئًا على الاحتلال، فإن لم يكن هناك شيء من أشكال السيادة؛ فما الذي سيتغير إن وصل إلى سدة الحكم هذا أو ذاك؟

في الحقيقة، ومن منطلق الواقع المأساوي، لا الأمنيات الجميلة المُبددة، إننا كفلسطينيين مُحتاجون إلى تلك الخطوة حتى وإن كانت شكلية لا أكثر، ذلك أنه مزروع في جيناتنا كعربٍ أننا لا نتعلم إلا بعد التجربة وفوات الأوان، فما المانع أن نخوض تجربةً أخرى، نكون فيها أكثر حضارية وديمقراطية، ونجسد عملية التبادل السلمي للسلطة، ثم نكتشف أن لا سلطة أصلا حتى نعمل على تبادلها!

إن الأزمة السياسية التي يعاني منها الفلسطينيين أزمة مركبة ولا يمكن اقتصارها في سلوك شكلي؛ وإن كان ضروريًا إن وُضع في إطاره السليم، فالانتخابات هي وسيلة فاعلة لضخ الدماء وتجديد الشرعيات، ولكن أيٌّ شرعيات؟ شرعية حكم تحت احتلال يسيطر على كل مقدرات وأدوات الحكم والسلطة والسيادة؟ أم شرعية مقاومة ذاك الاحتلال عبر الأطر المؤسسية الجامعة؟ أيهما أولى وأجدر بالتقديم والتأخير؟

إن المعضلة الكبرى التي يعاني منها الفلسطينيون ليست في مَنْ يحكمهم؛ بل في مَنْ يتحكَّمُ بهم، أي إن الأزمة في تفصيلها يمكن تقسيمها إلى أزمتين مركبتين في شكل واحد، وهي أزمة الإرادة والقدرة. فالإرادة – إن وجدت عند القيادات الفلسطينية – لا تعني قدرتهم على فعل ما يتحدثون عنه باستمرار.

فمن الممكن – حتى لو بعد قرنٍ من الزمان – أن يكون هناك انتخابات تشريعية ورئاسية في أي وقت، ذلك أن الأمر مرتبط بأزمة الإرادة فقط لا القدرة، ففي محصلة هذه الانتخابات، وأيًا كانت نتائجها، فإنها لن تكون عبئًا كبيرًا على الاحتلال الذي يعلم جيدًا أن مؤسسات الحكم في تركيبتها الحالية لا يمكن لها أن تخرج عن إطار المصلحة الإستراتيجية للاحتلال، وإن تفاوتت مستويات التأثير من جماعة لأخرى.

ولكن ما لا يمكن أن يسمح الاحتلال به، هو إجراء انتخابات مجلس وطني يمكن من خلاله إعادة تفعيل منظمة التحرير، ودخول جميع الفصائل الفلسطينية وتوحدها في إطارٍ مؤسسي واحد يمثل الشعب الفلسطيني عبر انتخابات حقيقية يُجسَّدُ فيها اختيار الشعب الحقيقي؛ لأنه يعلم أن أمرًا كهذا يعني تهديدًا حقيقًا لكيانه المحتل.

إضافة إلى أمر آخر لا يقل أهمية، ويُجتلى من خلاله تجسيد مفهوم القدرة وإخضاعه للإرادة حين تكون مناقضة لأهواء الاحتلال، وهو عملية تغيير شكل النظام السياسي الفلسطيني، فإن كانت القيادات الفلسطينية تمتلك الإرادة والقدرة على أخذ القرارات الإستراتيجية والمصيرية، حتى وإن كانت في إطار مؤسسات السلطة والحكم فقط، فإن أفضل قرار يمكن أن يُتخذ، هو قرار تغيير شكل النظام السياسي الفلسطيني، فهل تستطيع القيادات الفلسطينية الإقدام على أمرٍ كهذا؟ فضلًا عن أخذها قرارًا بإعادة تفعيل الشرعيات النضالية عبر المؤسسة الوطنية الأم!

إن عملية الانتخابات في حد ذاتها ليست أمرًا سلبيًّا، ولكنها ليست إيجابية بالقدر الكافي أيضًا، ذلك أن المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها الفلسطينيون هي معركة تجديد الشرعيات النضالية، لا شرعياتٌ وهمية لن تكون في محصلتها سوى عملية تجميل لعجوز تجاوز عمره الثمانين عامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد