عندما نبحث عن الحقيقة ونتعمق بها للوصول لنتائج إيجابية، نبحث عنها لا مجاراةً لحقوقنا ولا لعيشنا؛ إنما للحقيقة ذات نفسها. ولكن الحقيقة الجدلية الصارمة لدى الفلسطينيين هي الانقسام الفلسطيني، أو الصراع الفلسطيني الفلسطيني، أو صراع الفصائل الفلسطينية، فلا مشروع هنا أو هناك للمساهمة، وكله عبارة عن أموال مهدورة، وسلسلة زيارات غداء وعشاء بالعواصم العالمية التي يصاحبها ضحك ولهو، والمواطن الفلسطيني يرى صورًا، وفي سياق لحظة رؤية المشهد يرفع حاجبهُ، لشدة المؤامرة عليه!

الحقيقة في المقالة قاسية إلى حد بعد ما خلقنا التبعيات المتواجدة، أي بالأحرى بعد ما خلقنا «الوحش الكامل».

ما العلاقة بين الانقسام الفلسطيني والجنس؟

سيتم توضيح العلاقة بناءً على تحليل فلسفي نوعًا ما، وذلك حسب معايير منها ما يرتبط بعلم الاجتماع، ومنها ما يرتبط بالمنظومة اقتصادية.

أولًا: وجه الشبه بين الانقسام وعلم الجنس وازدواجيته بالمجتمع:

دعونا ندمج الأمور ببعضها البعض، لنُقرب مسافة علم الاجتماع بهذا الأمر، مبدئيًّا يجب علينا أن نعي بأن هناك ظواهر يصعب تفسيرها بسبب عدم استنادها إلى إحصائيات معينة كون علم الاجتماع مرتبطًا بالعلاقات بين الناس وظواهرهم؛ وبذلك سوف نربط المراحل الجنسية لكي نفسرها اجتماعيًّا، ونربط وجه الشبه مقارنةً بالانقسام الفلسطيني. بدايةً المراهق يمر بعدة مراحل بسبب الضغط النفسي، وتراكم المعلومات الملموسة بعد سن البلوغ، مما يجعلهم غير قادرين على عدم اتخاد القرارات، وهذا الأمر لا يتداركه المراهق بسبب الكم التكليفي للرغبة بالجنس والالتحام الجسدي اللازم، لكن لا يجد ما يكتفي أو لا يجد حلًّا لهذه الرغبة، مما يعمل على الاكتفاء بالاستنماء، والمدهش بأن هذه المرحلة طويلة وتحتاج إلى إشباع لازم، وهكذا الانقسام الفلسطيني! هي معركة النشوة والألم، ولا وجود لالتحام جسدي متباين ولا للمتعة غرائزية ذات الطابع الحيوي ومحصورة بالأخلاق والتراضي، وإنما استنماء ما بين حين إلى آخر والاكتفاء بالبرامج الذاتية والمساحة الجغرافية المعينة.

«توجيه السلوك»، ماكس فيبر أكد بأن الفعل الاجتماعي هو ضرب من السلوك الذي يتضمن معنى الفاعل لنفسه، فلنقس الحال على شخص انتابه حال غضب واستياء فسوف يصدر منه أفعال غير عقلية نتيجة توجيهات سلوكه، فالمراهق الذي قد يصبح متطرفًا جنسيًّا؛ سوف يلتهم الجميع ليحقق الكمال لرغبته، وهذا مقصد ذاتي مصحوب بإدراك ووعي. فالانقسام يتحدث عنه الجميع بأنه السائد السلبي عليهم جميعًا وسبب مشاكلهم، وقد التهم المواطنين. وإن كثرة التبريرات التي تمر بين القوى السياسية في فلسطين حول الوحدة الوطنية سببها الدافع الفعلي للسلوك وتوجيهاته؛ فهناك تقمص وجداني بين القوتين المسؤولتين عن الانقسام، فكلتاهما تهتم بمصلحتها الذاتية، فأصبح الانقسام كالمراهق الذي لا يجد معجبة تستدعي لرغباته، وقد خلق السلوك ومبرراته.

ثانيًا: وجه الشبه بين الانقسام وعلم الجنس وازدواجيته بالإهدار الاقتصادي:

ببساطة مُمكنة والتي تستدعي مقارنة، أكبر شركة منتجة للأفلام الإباحية ألا وهي «Brazzerz»، تعتمد هذه الشركة على إنتاج كليب الواحد بما يقارب 3000 دولار. فلنقارن بين الشركة وبين مؤسسات المجتمع المدني البحثية، لدينا حوالي 28 مركزًا بحثيًّا وتفاكريًّا للسياسات العامة في فلسطين، مُنتجه المهم هو الانقسام الفلسطيني وزبائن المنتج هم المنقسمون، وأصبح الآن معدل إنفاقهم السنوي المجموع الذي يقارب 45 مليون دولار سنويًّا، حسب إحصائية تقرير مراكز التفاكر العالمية لعام 2016، فورشة العمل مصحوبة بعشاء تُكلف 3000 دولار تقريبًا، وغيرها من اللوجستيات المطلوب بالورشة. ومرة أخرى أصبح الانقسام ذاك المراهق الذي يشتري أفلام البورنو ولا يدرك النتائج، إنما هي المتعة الغرائزية اللحظية. وما زال المساهمون في المراكز البحثية يقومون بعقد جلسات هنا وهناك، ووصل الأمر أن نناقش قضية الانقسام بدولة أخرى، وكأنهم يصنعون الشذوذ الجنسي في ذاك المراهق.

ما العلاقة بين الانقسام الفلسطيني والماسونية؟

في التطور الهائل بــ «البروبجاندا» حول منظمة أو حركة الماسونية، ومعطياتها غير الدقيقة، واصطيادها للعامل الفضولي لدينا كبشر، أصبحنا ننظر إليها بأنها قوى عظمى تسعى إلى زوال الإنسان! وبأنها سوف تقضي على كل المسلمين ويجب الحذر منها، وعلينا كشف من يتعاطى معها وفك الشيفرات التافهة!

بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين وبأن الجلسات وتعاقدات الاتفاق على مصالحة تعدت الرقم 10، أصبح المواطن يرى بأن هناك قوى خفية تعزز الانقسام، وبأن الجهات هم شبه الماسونيين. في الحقيقة هذا نتاج المرحلة التي وصلت إليها عقولهم، وحتى العرب أنفسهم يعتبرونا الحقبة التي مرت في بدايات الانقسام أنها حرب أهلية فلسطينية، وبالإضافة أن مراكز البحثية العالمية تتكلم بأنه الصراع بين حركتي فتح وحماس، أو الصراع الفصائل الفلسطينية.

ما وصل إليه المواطن من ضجر فوضوي وانفجار؛ أنتج حالة عدمية للتفسيرات غير صحيحة، وأن الشارع الفلسطيني أصبح مثقفًا وبشدة، بمعلومات الانقسام، وأنه عليه اللعن على الوطن قبل التكلم عن هذه الحالة، فمراحل الانقسام منذُ بداياتها وإلى الآن كسرت الصورة النمطية في المجتمع الفلسطيني التي كان ينظر إليها في الهوية الفلسطينية الجامعة، والمبدأ التحرري الشامل، والعودة إلى الوطن.

الحداثة في معنى الانقسام الفلسطيني:

لا أتوقع سواء معطى واحد تجاه هذه الحالة، والتي تكمن في التشريع الأول للإنسان. فقد اتضح أن نواتج الانقسام المستحدثة هي إرادة لنفي الحياة، ونشوة مبادئ الانحلال والانحطاط. فنحن نَمرُ كفلسطينين إلى سراب الأوهام في التحررية المتحدة بالعدمية، فقد مر المواطن الفلسطيني من تشريد وقتل وسلب حقوق وحرب وضياع وعاطفية جمِعية مكذوبة، وها نحن صنعنا «الوحش الكامل»، وقد غلب وتوسع في حيز اللاأخلاقي في الحياة، وتطور أكثر من الإنسان الفلسطيني بحد ذاته.

ولكن هل مات الوطن وسيبقى الوحش الكامل؟ ولم لا نشبه المراهق العبثي الذي عندما يمل يشاهد أفلام الجنس وعندما يفكر يقرأ عن الماسونية المغلوطة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد