يتسم الوجود الفلسطيني في لبنان بخصوصية عن بقية الدولة العربية، حيث وصفت العلاقة بينهم وبين السلطات اللبنانية بالتعقيد الشديد. ولعب الفلسطينيون دورًا مهمًّا في الأحداث التاريخية التي حصلت في لبنان، لعل أهمها الحرب الأهلية، وحرب المخيمات إضافة للاجتياح الإسرائيلي عام 1982. الذي كان نقطة تحول في العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئ الفسطيني.

فبعد خروج ياسر عرفات عقب الاجتياح من لبنان، وإلغاء اتفاقية القاهرة التي نظمت الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان انكفأ الفلسطينيون في المخيمات، وبدأت السلطات اللبنانية في عهد رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري بسلسلة قرارات توحي بدفعهم للخروج من لبنان، وتهجيرهم عبر التضييق عليهم، إذ حُرم المقيمون منهم في الخارج في فترة من الفترات تجديد وثائق سفرهم أو العودة إلى لبنان من دون إذن مسبق، كما حُرم اللاجئون من حق التملك، ويمنع القانون اللبناني اللاجئ الفلسطيني من العمل في كثير من المهن.

مع بروز دور السلطة الفلسطينية، وتغييب منظمة التحرير الفلسطينية، أصبحت العلاقة بين الفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية أكثر رسمية، إلا أن وضع المخيمات الفلسطينية لم يتحسن مع تحسن العلاقة السياسية؛ إذ باتت المخيمات أكثر اكتظاظًا وأشد بؤسًا، فضلًا عن زيادة كبيرة في عدد العاطلين عن العمل. لم يكن للاجئ الفلسطيني سوى الأونروا والفصائل الفلسطينية مرجعًا له، إلا أن الفصائل الفلسطينية التي تسيطر على اللجان الشعبية في المخيمات لم ترق لتطلعات اللاجئين نظرًا لغياب إستراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمات المختلفة، وهذا ما يظهر جليًّا في أي مخيم. إذا تغيب المحاسبة والقدرة على السيطرة في ظل سيل جارف من التعديات والفساد، فلا تنظيم عمراني، ولا تحسين خدماتي ولا أمن ولا استقرار.

الحالة المأساوية التي يعيشها أبناء المخيمات في لبنان تعد مؤشرًا صارخًا لغياب رؤية واضحة من الفصائل كافة، التي انشغلت بالخلافات والمناكفات السياسية، والنفوذ الأمني والميداني في المخيميات، الأمر الذي أدى للعديد من الأحداث المؤسفة وكان آخرها ما حصل في مخيم عين الحلوة من اقتتال بين حركة فتح، وجند الشام راح ضحيته العديد من القتلى، وخلف دمارًا هائلًا في الأبنية السكنية.

إن غياب الرؤية والإستراتيجية الواضحة لدور الفصائل الفلسطينية في لبنان يسهم بشكل كبير في تراجع الأمن في المخيمات، ويزيد من مشاكل اللاجئين المعيشية، ويدفع الكثير من الشباب العاطل عن العمل والمستلقي على جنبات الطرقات التفكير أكثر من أي وقت مضى بالهجرة عبر مراكب الموت، وهو ما تؤكده المطالبات العلنية بالهجرة الجماعية كالتي حصلت في مخيم نهر البارد، وأمام المفوضية الأوروبية في بيروت.

تتحمل كل من حماس وفتح العبء الأكبر في إيجاد رؤية وإستراتيجية واضحة للتعامل مع الملفات الرئيسية، والتي تتركز في: الأمن وضبط السلاح، والحقوق المدنية، والتنظيم العمراني وتحسين الوضع المعيشي والصحي في المخيمات، وإيجاد مرجعية موحدة تعمل على حل مشاكل المخيمات كافة، وأن تقوم هذه الفصائل بتحويل اللجان الشعبية وتطويرها لأشبه ما يكون بعمل البلديات، الأمر الذي يفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها، حياة كريمة للاجئ الفلسطيني.. وإلا فإن الانفجار في المخيمات آت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد