بعد مرور نحو شهرين على اندلاع الانتفاضة الفلسطينية – انتفاضة القدس- ما زال الموقف الفلسطيني الفصائلي غير واضح الرؤية في بعض جوانبه بسبب العمر الفتي للانتفاضة والاختلاف السياسي بين الفصائل الفلسطينية في الفكر والمنهج والأيديولوجيا واستراتيجية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

ووفقًا لهذا الاختلاف السياسي، سنحاول في هذا التقرير رصد موقف الفصائل الفلسطينية وخطابهم السياسي الإعلامي حول الانتفاضة الفلسطينية التي سميت بـ “انتفاضة القدس”، في محاولة لمعرفة مدى انسجام الفصائل الفلسطينية مع الشارع الفلسطيني الذي انتفض على  سياسة الاحتلال التهويدية الاستيطانية المتطرفة، والذي ملَّ أيضًا من المشروع السياسي الفلسطيني الضعيف أمام انتهاكات الاحتلال ومضايقاته للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

الفصائل الفلسطينية كانت تستعد لهذه الانتفاضة لإعادة ترتيب أمورها في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بعد تعرضها لكثير من الحملات الأمنية والاستهداف المباشر من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي أو من قبل السلطة الفلسطينية التي استفادت أيضًا أن من الانتفاضة لحظة انطلاقها لتوجيه رسائل سياسية للمجتمع الدولي وأمريكا وإسرائيل بأن تعثر الوصول لحل سياسي بين الفلسطينيين و”إسرائيل” سيشعل الشارع الفلسطيني من جديد ضد المسعى السياسي ورفضًا للواقع السياسي والاجتماعي والأمني الصعب.

وقد ظهر في خطاب بعض الفصائل بداية انطلاق الانتفاضة، طموح أكبر من الواقع بعد أن اعتبرت بعض الفصائل أن الانتفاضة الفلسطينية مستمرة حتى تحرير فلسطين، في حين اعتبر مراقبون للشأن الفلسطيني أن هذا الهدف بعيد المدى قد لا يتحقق في هذه الجولة من جولات المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، لأن المواجهة مع الاحتلال جولات وجولات وتحرير الضفة الغربية أو فلسطين يحتاج لجهد فلسطيني ودعم عربي وإسلامي مساند.

 

حركتا حماس والجهاد الإسلامي

رحبت حماس والجهاد الإسلامي باندلاع الانتفاضة الفلسطينية – انتفاضة القدس- وأعلنوا مشاركتهم فيها من خلال أفرادهم وعناصرهم ومؤسساتهم الشبابية والطلابية، وزفت الحركتان عددًا من أبنائهما شهداءً في الانتفاضة الفلسطينية مؤكدين على استمرارهم في العمل المقاوم حتى تحرير فلسطين.

ومن أعلى مستوى سياسي داخل حركة حماس، أكد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل يوم الأربعاء (4|11): أن الانتفاضة الحالية ستحرر الضفة الغربية والقدس المحتلة، كما حررت الانتفاضة السابقة قطاع غزة من الاحتلال، مشددًا على ضرورة استغلال الانتفاضة للاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة وتشكيل قيادة وطنية ميدانية موحدة لانتفاضة القدس.

 

ودعا إسماعيل هنية، نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، إلى حماية انتفاضة القدس والعمل على استمرارها وتصاعدها لتحقيق هدفها في التحرير والاستقلال والعودة، محذرًا من المحاولات الأمريكية والدولية لاحتواء انتفاضة القدس وإجهاضها أو وأدها قبل تحقيق أهدافها، مؤكدًا أنه لا قوة فوق الأرض تستطيع إخماد الانتفاضة التي انطلقت من أجل الكرامة والحرية والتحرير.

وعلى الأرض دعت حركة حماس إلى الانخراط في المواجهات اليومية مع جنود الاحتلال في مختلف محافظات الضفة الغربية والقدس المحتلة، وباركت عمليات الدهس والطعن والعمليات الفدائية في الخليل والنقب وغيرهم، واعتبرتها ردًا طبيعيًا على جرائم الاحتلال وإعداماته الميدانية.

ودعت حماس الشباب الفلسطيني المنتفض في محافظات الضفة الغربية كافة، إلى تطوير أدواته وإبداعه في مقاومة الاحتلال بشتى الطرق، مثنيةً على مبادرته وإقدامه وشجاعته في مواجهة العدو الصهيوني.

ولعبت قناة الأقصى – القناة الرسمية لحركة حماس- دورًا مميزًا في التحريض على الاحتلال الإسرائيلي وحث الشباب المنتفض على مقاومة الاحتلال بالطرق كافة لا سيما الطعن والدهس، وعملت على بث الأناشيد الحماسية الجهادية والفواصل الإعلامية التحريضية، ولعب مقدمو برامجها وأخبارها دورًا مميزًا في التحريض.

ويسجل غياب الخطاب الإعلامي للجناح العسكري للحركة، خاصة المتحدث الرسمي باسم كتائب القسام أبو عبيدة، الذي اعتاد الجمهور الفلسطيني على انتظاره عند كل مواجهة أو حرب مع الاحتلال الإسرائيلي، في ما بدا كأنه قرار داخل حركة حماس بعدم عسكرة الانتفاضة أو فتح جبهة غزة في الوقت الحالي.

موقف حركة الجهاد الإسلامي لم يختلف عن حركة حماس بحكم التوافق المشترك في استراتيجية المقاومة بين الطرفين والفكر الإسلامي الذي يميزهم عن باقي الفصائل، حيث دعت الحركتان إلى مسيرة مشتركة في قطاع غزة (3/11/2015) نصرة للقدس وانتفاضتها، ولفت القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش خلال كلمة له في المسيرة، إلى أن فصائل المقاومة الفلسطينية ستحافظ على هذا الشكل الكفاحي للانتفاضة مؤكدًا على أن أحداث الضفة والقدس هي “انتفاضة فلسطينية تضاف إلى انتفاضات الشعب الفلسطيني”.

وحذر البطش من أن الانتفاضة ستأخذ شكلاً آخرًا إذا تمادى الاحتلال في إعداماته الميدانية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس المحتلة، موضحًا بأن سرايا القدس وكتائب القسام وقوى المقاومة لن تسمح بأن يبقى النزيف من جانب واحد، وقال: “إن فصائل المقاومة ستعطي الأولوية للشعب، ولكنها ستلبي النداء وستكون عند حسن ظن أبناء شعبها في الضفة والقدس”.

تهديد حركة الجهاد الإسلامي بفتح جبهة جديدة لدعم المنتفضين في الضفة، يعطي مؤشرًا إيجابيًا عن وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويشير إلى احتمالية أن تتطور الأمور على الصعيد العسكري ولو بشكل يختلف عن شكل حرب غزة 2014، حيث يعتبر محللون في الشأن العسكري أن فتح جبهة غزة على غرار حرب غزة 2014 سيوقف انتفاضة القدس ولهيبها المتصاعد في الضفة الغربية، وسيخطف الأنظار عن بطولات الشعب الفلسطيني الذي يواجه مشروع الاحتلال التهويدي الاستيطاني ومشروع غسيل العقل الفلسطيني.

ويعتبر موقف الجهاد الإسلامي الذي استند فيه إلى قوة سرايا القدس ومعها باقي الأذرع العسكرية خطابًا وحدويًا قويًا، له أبعاده الوطنية والعسكرية، في حين بدا واضحًا غياب ظهور الأمين العام للحركة الدكتور رمضان عبد الله طيلة الفترة الماضية، حيث يعتبر ظهوره في الوقت الحالي دعمًا معنويًا للمنتفضين في فلسطين المحتلة.

 

الجبهتان الشعبية والديمقراطية

وفي القسم الثاني من الفصائل الفلسطينية، فصائل المقاومة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، أكدت الجبهتان الشعبية والديمقراطية دعمهما للانتفاضة الفلسطينية، وطالبوا بالاستفادة منها لإنهاء الانقسام الفلسطيني، حيث دعا الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – المعتقل في سجون الاحتلال- أحمد سعدات إلى ضرورة بذل كل جهد وطني وشعبي فلسطيني لدفع وإدامة وتعميق الانتفاضة وتشكيل قيادة وطنية موحدة لاحتضانها والتصدي لمحاولات احتوائها عبر مشاريع سياسية تعيد الفلسطينيين مرة أخرى لمربع أوسلو.

وقال سعدات في رسالة من سجنه بنفحة جنوب فلسطين المحتلة (29/10/2015):” إن اللحظة التي يعيشها الشعب الفلسطيني مصيرية بامتياز، والظروف الراهنة لا تطرح على الشعب الفلسطيني سوى خيار المقاومة”، داعيًا إلى امتلاك الإرادة السياسية لإنهاء الانقسام، واعتبار إنهاء الاحتلال هو الشعار الناظم لنضالات الشعب الفلسطيني، فيما دعا لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ووضع الأراضي المحتلة تحت الإشراف الدولي المؤقت.

أكدت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بدورها على مواصلة الشعب الفلسطيني لانتفاضته ضد الاحتلال الإسرائيلي، ورفض الشعب الفلسطيني وقف انتفاضته أو الالتفاف على تضحياته من أجل مفاوضات جربها شعب الفلسطيني واستفادت منها “إسرائيل” كغطاء لكل ممارساتها.

وقالت الجبهة في بيان إثر اجتماع قيادي “الانتفاضة اليوم تقدم لنا فرصة ثمينة لإنهاء الانقسام وبناء الأطر الوطنية التي تحتضن وتدير العمل الانتفاضي بقيادة موحدة في الضفة وغرفة عمليات مشتركة في غزة وحركة لاجئين تساند الفعل الانتفاضي”، كما طرحت الجبهة الديمقراطية مبادرة وطنية مع الفصائل الفلسطينية خلال لقاء مركزي في العاصمة اللبنانية بيروت (30/10/2015) لتوفير التوافق الوطني حول سبل دعم الانتفاضة.

الجبهتان الشعبية والديمقراطية تبنتا الانتفاضة الفلسطينية، وطالبوا بدعمها وتطويرها وحمايتها من أي اتفاق سياسي يجهض أداءها وفعاليتها، وهنا يتضح الانسجام السياسي مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الرؤية النضالية للاستفادة من الانتفاضة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما ما جاء في رسالة الأمين العام للجبهة الشعبية أنه لا خيار أمام الشعب الفلسطيني سوى المقاومة، في حين انسجمت الجبهة الشعبية مع السلطة الفلسطينية في طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني مقابل رفض من باقي الفصائل.

وتميزت الجبهة الديمقراطية بمطلبها الوطني الداعي إلى إشراك جميع أبناء الشعب الفلسطيني في الانتفاضة ” غزة- الضفة- اللاجئين” في تأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة، وإشراك الجميع في العمل الكفاحي النضالي.

 

حركة فتح والسلطة الفلسطينية

موقف السلطة الفلسطينية يمكن فهمه من خلال المرسوم الداخلي الذي أصدره رئيس السلطة محمود عباس الذي يمنع فيه قيادات السلطة وحركة فتح من استخدام مصطلح انتفاضة على ما يجري في الضفة الغربية المحتلة، مجددَّا رفضه القيام بأي عمل عسكري فلسطيني ضد “إسرائيل” أو السماح باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، معتبرًا ذلك حفاظًا على المدن والشعب الفلسطيني، داعيًا إلى المشاركة في المقاومة الشعبية السلمية والنضال السياسي والقانوني.

واعتبر الناطق باسم حركة فتح أحمد عساف أنه على الشعب الفلسطيني التركيز على النضال الشعبي وعدم الانحراف عنه مشدَّدًا على أهمية الإنجازات السياسية والاقتصادية التي حققتها السلطة الفلسطينية.

عباس اجتمع مع قادة حركة فتح في الضفة الغربية (8/10/2015)، وطالبهم بعدم التصعيد والانجرار وراء المواجهات في شوارع الضفة، وهذا ما يرفضه جزء كبير من أبناء حركة فتح- خاصة فئة الشباب- حيث اعتبر بعضهم أن ترجمة خطاب أبو مازن يكون من خلال دعم الانتفاضة والمشاركة مع شبابها بالمواجهات المندلعة في شوارع الضفة، وهذا ما أكدته الشبيبة الفتحاوية- القطاع الطلابي لحركة فتح- خلال بيان لها أكدت فيه استمرار الانتفاضة التي يقودها الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية.

وحددت “الشبيبة الفتحاوية” أهداف الانتفاضة، حيث جاء في بيانها: “إن الهدف من انتفاضة شعبنا هو الحرية والخلاص النهائي من الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وإطلاق سراح أسرانا وعودة لاجئينا، وإزالة المستوطنات وجدار الفصل العنصري”، كما أكدت شبيبة فتح رفضها لأية مبادرات جزئية لا تقوم على مبدأ إنهاء الاحتلال، مشددَّةً على استمرارها في المواجهة وتقدم صفوف المقاومة والمواجهة.

أهداف “الشبيبة” كانت مرتفعة وعالية، وتعبر عن تناقض كبير مع موقع السلطة الفلسطينية ورئيسها، وتعد هذه الأهداف – رغم أنها لم تحدد بالضبط – أهدافًا وطنية لكل الشعب الفلسطيني ولكل فصائله، وهي تعبر عن انعكاس الروح الثورية عند الشاب الفلسطيني الذي يتقدم العمل الانتفاضي والثوري، وجاء هذا الخطاب متناسقًا مع الناطق باسم حركة فتح فايز أبو عيطة الذي أكد أن الانتفاضة أعادت للشعب والقضية الفلسطينية الاعتبار على عدة مستويات، منتقدًا تصوير بعض الجهات الإعلامية ما يجري في الضفة “وكأنه أمر عفوي”.

في حين برز القيادي الفتحاوي عباس زكي كـقيادي ثوري داخل حركة فتح، فأعلن دعمه لما يجري في الضفة الغربية المحتلة وشدَّد على ضرورة مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في نقاط التماس كافة ، وقال: “إن التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي جريمة وأن الواقع تجاوز مرحلة التنسيق”، مؤكدًا أن منظمة التحرير شكلت لجنة لمراجعة العلاقة مع الاحتلال وفك الارتباط به، لكن زكي تمسك بقرار رئيس السلطة الفلسطيني الذي يمنع وصف ما يجري في الضفة الغربية بـ الانتفاضة، حيث قال زكي: “إن ما يجري في فلسطين هبّة وليس انتفاضة لغياب القيادة الموحدة”.

إذن، يستمر الشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال الإسرائيلي بطرق وأشكال مختلفة يرسمها الظرف السياسي والأمني والاجتماعي، وجاءت انتفاضة القدس هذه، بعد انسداد الأفق السياسي وازدياد انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة وسط تراجع اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية.

وأمام هذا الواقع، يبقى خيار الانتفاضة الخيار الأمثل للتمرد على هذا الواقع ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي ضمن المشروع الوطني الفلسطيني الهادف إلى التخلص من الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ظل وجود شبه اجماع فصائلي على استمرارية الانتفاضة والاستفادة منها ضمن المعركة الوطنية السياسية مع الاحتلال الإسرائيلي، وفي المجمل تشكل هذه المواقف مجتمعة مسودة أهداف وطنية للانتفاضة بغض النظر عن تسميتها ووسائلها، كما تعطي مزيدًا من القوة للفصائل الفلسطينية من خلال دخول العنصر الشبابي والنسائي في الانتفاضة وبالتالي دخولهم الحياة السياسية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد